تخطى الى المحتوى

خطاب النعمة.. قراءة في السياق والدلالات

جدول المحتويات

 

وبما أن الأغلبية لم تكتف برمزية النعمة الشعبية، إنما استقطبت كثيرين من كافة أرجاء الوطن، فإن المناسبة خليقة بالتحليل والاستنطاق.

 

لذلك، نستعبد أن يكون الهدف من الزيارة تدشين مصنع للألبان سعته الإنتاجية 30 ألف ليتر يوميا فقط، فهذه مهمة يمكن أن توكَل لمفتش البيطرة ولا تستدعي حضور مسؤول سام، أحرى عن رئيس الجمهورية.

 

لقد جاء خطاب الرئيس شاملا، فتناول تعديل الدستور والحوار وواقع الحريات والاقتصاد والخدمات.

 

وبينما كان الرئيس واضحا ومباشرا في عدة جوانب ركن للغموض عمدا في جوانب أخرى.

 

وفي حين أضاء على قصور المعارضة وعبثيتها في بعض محاور الخطاب، بدا صاحب الفخامة في فقرات أخرى يشن هجوما عشوائيا ويحمّل خصومه تبعات لا شأن لهم بها .

 

حملة البقاء

إن حل مجلس الشيوخ مثْل تدشين مصنع الألبان لا يستدعي التحليق إلى النعمة وحشد مؤيدي الرئيس من كافة الولايات.

 

شدد الرئيس أنه لن يكون عقبة أمام الديمقراطية واستدعى ماضيه في الذود عن الدستور ومؤسسات الجمهورية.

 

وأكد أنه لن يقدم اقتراحا لتعديل الدستور يتجاوز حل مجلس الشيوخ لكنه لم يطمئن المشهد السياسي بالقول إنه لا يعتزم البقاء في السلطة بعد انتهاء مأموريته. بل العكس من ذلك أوضح أن حديثه عن الدستور في هذا الخطاب لن يكون مفيدا للحاضرين وأن عليهم انتظار نتائج الحوار.

 

إن هذه الزيارة تفتقر للمبرر، فليس من الطبيعي أن يحشد رئيس في ولايته الأخيرة كل هذه الجماهير للحديث إليها عن إنجازاته وعن الحوار والدستور.

 

الواجب السياسي يقول إن على الرئيس الانشغال في المأمورية الأخيرة بتحقيق برنامجه الانتخابي وعدم تبديد جهده في جوانب ليس معنيا بها.

 

أما المنطق السياسي، فيقول إن هذه حملة كبرى للبقاء في السلطة بعد انتهاء المأمورية، وليس بالضرورة البقاء في القصر.

 

لا يليق بصاحب الفخامة الحنث السياسي العظيم وتغيير المواد المتعلقة بالمأمورية، لكن هذه قد تكون حملة لتغييرات دستورية تتناول صلاحيات رئيس الحكومة أو استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية.

 

لعل الرئيس يريد مستقبلا شغل واحد من هذين المنصبين والبقاء في قمرة القيادة من دون أن يكون هدد المسار الديمقراطي.

 

وبالتالي فإن الرئيس المقبل سيكون من الحوض الشرقي على أن يكون نائبه أو رئيس حكومته محمد ولد عبد العزيز بصلاحيات دستورية واسعة تمكنه من الإشراف على القوات المسلحة والأمن والاقتصاد.

 

الحوار المتعثر

فيما يخص الحوار السياسي، وُفق الرئيس من ناحيتين:

1 – إحراج المعارضة، باستعداده لنقاش كل الملفات.

2 – الإضاءة على عبثيتها وربطها للجزئيات بشؤون الحكم ووضعها للشروط المسبقة.

 

يُحسب للرئيس ترحيبه مرات بنقاش كل مطالب المعارضة، ويعكس هذا في ظاهره – على الأقل – عدم الرغبة في الانفراد بالقرارات المصيرية.

 

لا يقبل تعطيل حوار يتناول مستقبل البلاد لحين الحسم في وضع سجين معين أو عامل مفصول ينظر القضاء بشأنهما.

 

لقد هاجم الرئيس المعارضة أكثر من مرة، وقال إنها عصية على التجديد وتتشبع بشعبيتها دون حياء بالرغم من فشلها الذريع في المواسم الانتخابية.

 

هذا الهجوم طبيعي في سياقه السياسي، فمن حق الرئيس مهاجمة معارضة تنعته باللصوصية والفساد، وتطالبه بالرحيل قبل أن يكمل مدته.

 

لكن الرئيس لم يوفق عندما حمّل المعارضة كل أوزار الفساد ونهب مقدرات البلاد. إن آخر منصب رسمي شغله أحمد ولد داداه كان في سبعينيات القرن الماضي قبل أن يرابط العسكر في القصور.

 

ولا أتذكر أن أيا من ولد بدر الدين وولد مولود وجميل منصور شغل منصبا تنفيذيا، مما يعني أنه لا مبرر لاتهامهم بالفساد.

 

الاقتصاد والخدمات

في محور الاقتصاد والخدمات، تحدث الرئيس عن أرقام واضحة وفروق في الميزانيات، قال إنها تعكس حسن التسيير وسهر الحكومة على مصالح البلاد.

 

لكن الرئيس لم يفسر لماذا لم تنعكس هذه الفوائض والميزانيات على الواقع المعيشي وتحسن الخدمات، ولماذا شهدنا بروز العشرات من رجال الأعمال الجدد.

 

نحن نفترض في الرئيس الأمانة والصدق، ولكن الحديث عن ازدهار التعليم وتطور الصحة والخدمات بدا أقرب لخطابات الحملة منه للواقع.

 

إنه من رابع المستحيلات العثور على الكتب المدرسية في الداخل، بينما التنقل لمسافة 3 كم في نواكشوط يتطلب ركوب ثلاث سيارة أجرة متهالكة لتنتهي الرحلة بإصابتك بالدوار. وأما العلاج فلا يخضع له في الوطن إلا من أقعده الفقر.

 

الأمن والحريات

حول الأمن، بدا الرئيس محقا إلى حد كبير، حيث يضبط الجيش الحدود مع مالي فيما ظل معدل الجريمة طبيعيا في معظم مدن البلاد.

 

ومن حقه أيضا التباهي بواقع الحريات في موريتانيا، حيث تقول الصحافة ما تشاء من حق ومن كذب وتكاد تخلو السجون من أصحاب الرأي.

 

أما عن الوحدة الوطنية، فقد انشغل الرئيس بجزئيات بسيطة ولم يعترف بأن هذه الوحدة تتربص بها مخاطر الفقر والتهميش والإقصاء.

 

هوامش

1 – القدرات الخطابية للرئيس تطورت كثيرا فقد تحدث بصوت عال ولغة واضحة وبعفوية أحيانا، وكانت أفكاره متسلسلة.

2 – صحافة الأغلبية انشغلت بتمجيد العشائر واستجداء النافذين، فكان أداؤها مخجلا.

3 – صحافة المعارضة انحرفت كثيرا عن العمل الصحفي فتحاملت وشنعت وسفهت.

4 – وجهاء العشائر كانوا أسعد الناس بالزيارة، فقد استعادوا ثقة الدولة فيهم فوفدوا للنعمة من كل أرجاء البلاد.
 

الأحدث