جدول المحتويات
أما في ما يخص الأوضاع العامة للولاية فإن ولاية الحوض الشرقي كما هو معروف هي الولاية الأولى، وهي الخزان الانتخابي الأكبر – والأهم بالنسبة للنظام الحالي- على مستوى الوطن من حيث عدد السكان بعد ولاية نواكشوط، وهي كذلك المنتج الأول على مستوى الوطن للثروة الحيوانية، التي لا تزال تعتبر العصب الأساسي لحياة السكان، وهي الولاية الحدودية التي تمتد على أراضي شاسعة تحتل جل الحدود الموريتانية مع الجارة الشرقية مالي، التي تجمعنا بها أطول حدود برية، وهي بالمناسبة حدود مفتوحة على منطقة الصحراء الكبرى، التي تتحرك فيها الجماعات الجهادية المتطرفة، فالولاية إذن لا تنقصها الأدلة على الأهمية الاستراتيجية التي تحوزها.
ورغم كل ذلك فهي لا تزال تعتبر الولاية الأكثر تهميشا وإهمالا، على المستوى الوطني، سواء في مجال البنية التحتية أو في مجال الخدمات، وهي كذالك الولاية الأكثر فقرا ومعاناة، حيث تمتد فيها جيوب الفقر والجهل والنسيان، على امتداد أراضيها الشاسعة، وفي مختلف جهاتها وقراها.
فمن باسكنو وانبيكت لحواش شرقا حتى تمبدغة وجيكني غربا ومن ولاتة شمالا حتى آمرج جنوبا، لا تنفك تسمع الحديث عن الحرمان والمعاناة، بقدر ما تشاهده في كل قرية أوحي أو منعرج، هذا في أكثر فصول السنة يمنا ورخاء، فما بالك بأكثرها بؤسا وشقاء، إنه فصل الصيف.
ففي فصل الصيف – الذي يختاره السادة الرؤساء دائما في زيارتهم للحوض – يقل الماء الصالح للشرب وحتى غير الصالح له، فالماء من حيث هو مفقود. في فصل الصيف يندر العشب والكلأ، فلا مراعي ولا أعلاف ولا آبار، دعك من الحديث عن "مشروع الظهر" فلا يزال "مشروعا" من عدة سنين.
في فصل الصيف، ينتجع المنمون خلف مواشيهم في اتجاه مالي، طلبا للماء والمرعي فالأرض لم تعد تسعهم والجو لا يرحمهم. في فصل الصيف، يشتد الغيظ وتقل المؤن وترتفع الأسعار، ونلاحظ أن أسعار الأعلاف تغدو تضاهي في غلائها أسعار المواد الأساسية لحياة الناس.
في فصل الصيف، تنخفض القوة الشرائية للمواطنين، فالمواطنون الذين يعتمدون اعتمادا مباشرا في دخولهم على منتجات التنمية الحيوانية، يصبحون في وضع جد عسير فليس في مواشيهم ما يستطيعون قضمه بل بالعكس من ذلك فهم ينفقون فوق المستطاع للحفاظ عليها من النفوق، أما البسطاء الذين يحاربون على قوتهم اليومي، وليسوا بالقليل، فتجدهم عاجزين حتى عن شراء برميل ماء يقضون به شؤونهم اليومية، فللماء أيضا سعره المرتفع حيث يصل في بعض الأحيان إلى مستوى 1500أوقية للبرميل.
في فصل الصيف، ترسل الطبيعة غضبها في شكل سموم غيظية لا تطاق، فترى القوم يسبحون في جو من الضباب يختلط فيه لهيب الغيظ بالغبار، فلا تكاد تميز وجوههم من ظهورهم. ومع كل ذلك تراهم يضحكون سعداء مطمئنين، فأملهم في الله كبير، يواجهون صعوبة الجو ومشاق العيش بكل توئدة وتوكل.
أما الدولة فيسمعون عنها كثيرا ولكنهم لا يرون لها مظهرا أبدا، صحيح أن هنالك مبنى يسمي الولاية وآخر يسمى المقاطعة، ولكنها مباني مجرد مباني يسكنها من بداخلها، وعلاقتهم بـ"المواطنين" تختزل في جباية الضرائب و"جباية" الولاء السياسي كذالك.
أبسط مقومات الحياة لا تتوفر في مدينة النعمة التي هي عاصمة الولاية فما بالك بغيرها. يدفع "المواطنون" الرشاوى مقابل الحصول على أردئ الخدمات الحكومية، هذا إن وجدت أصلا، مثل: الكهرباء والماء، بقدر ما يدفعونها للحصول على الأوراق الإدارية. أما الصحة والتعليم فحدث ولا حرج، الفساد ينخر كافة المؤسسات العمومية ويطبعها تدني مستوى الخدمات وتقطعها.
لا يعني هذا أن ليس من أبناء الولاية أطر وممثلون سياسيون، فأربع وزراء من الحكومة الحالية، من بينهم الوزير الأول، من أبناء هذه الولاية بالإضافة إلى عشرات الأطر والقياديين السياسيين ومدراء المؤسسات في النظام الحالي، لكن هؤلاء جميعا جاءوا مع السيد الرئيس وسيذهبون معه، فهم لا يعانون معاناة من يدعون تمثيلهم بل ولا يلتقون بهم أصلا، ولا يهمونهم فهمهم كل همهم أن يقبل هؤلاء المغلوبين على أمرهم التخلي عن كل همومهم ومشاغلهم وأن يجتمعوا في صعيد واحد في يوم غائظ لاستقبال السيد الرئيس. فبماذا سينفعهم الرئيس؟
يبدو أنه لا جديد في خطاب السيد الرئيس، فنفس العبرات التي رددها في الزيارة الماضية تمت ترجمتها من جديد. الوعود الكثيرة، والحديث عن الأرقام الخيالية، والتهجم على المعارضة، لا شيء من هذا يفيدنا يا سيادة الرئيس.
تحدث السيد الرئيس مطولا في بداية حديثه عن مصانع ستتم إقامتها في الحوض الشرقي بهدف العناية بالثروة الحيوانية وتنميتها، وبالثروة الفلاحية في انبيكت لحواش، إنها نفس المصانع والمشاريع التي تعود السكان على الحديث عنها في كل زيارة، ثم ينطمس ذكرها في انتظار الزيارة القادمة.
أما في يخص الأرقام التي تحدث عنها السيد الرئيس في مستوى الاقتصاد الكلي للبلد، فربما تكون صحيحة لكن المؤكد أنها لم تنعكس على تحسن في حياة المواطنين كما لم تنعكس على تحسن في مستوى تنمية البلد، فما قيمة هذه الأرقام؟
كان باستطاعة السيد الرئيس أن يصفي حساباته مع المعارضة في العاصمة، ولكنه فضل أن يفعل ذالك في النعمة وهذا ربما كان ردا على مهرجان المعارضة التي عقدت هناك قبل أسابيع، وربما كان الهدف من وراء كل هذا الحشد الذي أنفقت عليه الدولة الكثير وشاركت فيه كل الولايات تقريبا بوفود، هو الرد على مهرجان المعارضة ذلك. لكن يبدو أن له سببا آخر، فالسيد الرئيس يريد تعديل الدستور، ويفضل أن يعلن عن ذلك أمام الفقراء الذين هم مرؤوسيه.
لكن المحير في الحقيقة هو تهجم الرئيس في بداية حديثه على المعارضة ونعتها بأشنع الأوصاف، في حين نراه يدعوها في نهاية خطابه إلى الحوار السياسي، فكيف يرضى السيد الرئيس بمحاورة "الخونة" والساهرين على "تخريب" البلد؟
ربما يكون السيد الرئيس لا ينوي الترشح للرئاسة لكنه، بدأ الحديث عن تعديل الدستور وعن تغيير في شكل النظام السياسي من نظام رئاسي إلى نظام برلماني، هذا ما يفهم من حديثه عن حل مجلس الشيوخ وعن المجالس المحلية، مما سيسمح له بالتحكم في مستقبل الدولة على المدى الطويل عن طريق الأغلبية البرلمانية التي سيحافظ عليها عن طريق احتكاره لأدوات التأثير في العملية السياسية.
لا يحمل السيد الرئيس ما يفيدكم يا أهل الحوض الشرقي، ولن تخفف زيارته شيئا من معاناتكم، كجميع سابقاتها، وكل ما ستجنونه من هذه الزيارة هو تعب على تعب، فاجلسوا في أمكنتكم، ولا تتعبوا أنفسكم، فمن ماذا تخافون؟ لن يستطيع السيد الرئيس ومرافقوه مهما فعلوا أن يزيدوا من بؤسكم، كما أنهم مهما قالوا لكم ووعدوكم لن يخففوا من بؤسكم ومعاناتكم شيئا.