تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

كل ينظر من زاويته ويحلل وفق منطقه.

فالمعارض يتوجس خيفة على الدستور، ويخشى الانقلاب عليه، فيكاد يجزم أن هذه الزيارة بهذه التعبئة وهذا الحشد غير المسبوق، في هذه المنطقة بالذات، لا تحمل من جديد سوى الكشف عن مؤامرة على ثابت من ثوابت الوطن طالما أرق الجنرال وزمرته…

 

والمواطن العادي لا تتركه المواعيد العرقوبية يطمئن إلى أحلام تساوره في نوم غير عميق – بفعل ارتفاع درجات الحرارة -، فكلما ضعفت ذاكرته – كعادتها- وزاره طيف فحلم بعيش رغد وحرية وكرامة إنسانية، إذا برهط من الوعاظ – أبرزهم: الماء والكهرباء والوقود – يهمسون في أذنه، يذكرونه بوعود لم تتحقق وهو مؤمن تنفعه الذكرى، فينغصون عليه لذة حلمه، فيعيش بين اليأس والأمل، بين النوم واليقظة، بين الذكر والغفلة…

 

أما المسؤول الكبير فيجد في الزيارة فرصة لتجديد الولاء وتجريده وإثباته ببينة الجمع والحشد والهتافات، وهي بالنسبة له مسابقة لها ما بعدها، فإن هو فاز فيها ونال رضى بني قشير فسيترقى في سلم الوظيفة ويعلو مدارج النفوذ – على حساب المتسابقين معه من بني جلدته، فالقصر لا يسعهم والبسمة لا يمكن أن تشملهم -، وإن هو لم يحالفه الحظ فكان صاحبه أقوى تعبئة وأقدر على الحشد والتجميع، فنصيبه الصبر على الأثرة والتهميش، حتى تحين فرصة مماثلة في سوق آخر عملته الصعبة هي: الحشد والتجميع والتصفيق، أستحيي من أن أقول الكذب والتملق والنفاق…

 

وأما أنا فلا أرى في الزيارة معنى غير أنها شهوانية، فالشهوة هي التي تحرك الطغمة العسكرية التي تعاقبت على حكم هذا البلد بصفة عامة، وهذا الجنرال منها بصفة خاصة، له نفس شهوانية تواقة، تاقت إلى الميكانيكية فنالتها، ثم تاقت إلى الترقي في مدارج الخدمات والرتب العسكرية فنالتها، ثم تاقت إلى الرئاسة فنالتها، ثم تاقت واشتهت أن تكون شخصية جامعة لها يد في المال والأعمال، ويد في العمل الإسلامي، ويد في العمل الخيري فحازت الألقاب المشهورة في ذلك

 

وليس على الله بمستنكر *** أن يجمع العالم في واحد

 

وها هي اليوم تتوق إلى أن ترى من نفسها صورة كسروية صورها مطران في أدبه، – رغم حساسيتها مع الأدب –

سجدوا لكسرى إذ بدا إجلالا *** كسجودهم للشمس إذ تتلالا

عباد كسرى مانحيه نفوسكم *** ورقابكم والعرض والأموالا

تستقبلون نعاله بوجوهكم *** وتعفرون أذلة أوكالا

 

لكل طلبه.

 

ولئن كانت الزيارة فرصة لطرح المطالب، وربما كان طلب المعارض هو: أن "لا تلمس دستوري" وطلب المواطن العادي هو: أن "أنجز لنا الوعود التي امتلأت منها الأسماع طيلة السنوات العجاف".

 

وكان الطلب الوحيد للمسؤول الكبير أن "تقبل قرباني وانظر إلي بعين الرضى فقد حشرتهم لك مكرهين، وجعلتهم باسمك يهتفون، وتحت حر الشمس المتوهج في انتظارك يقفون، وإلى رضاك يتسابقون، وفيما بينهم بسببك يتلاعنون، وللأهل والضيعات في استقبالك مضيعين…".

 

فإن طلبي الوحيد هو: أن

 أنزل بهذا الشعب كل هوان *** وأعد عهود الرق للأذهان

 

طلبي هو هذا فقط لسببين:

                                                              

الأول: أن هذا هو الذي بإمكانكم تفعلون، وأنتم فيه راغبون، ولا أحب أن أطالبكم بما عنه تعجزون، أو أحرجكم بطلب أمر أنتم له كارهون.

 

الثاني: أن هذا هو ما تستحقه الشعوب المستكينة لكم

 

ما كان كسرى إذ طغى في قومه *** إلا لما خلقوا به فعالا

هم حكموه فاستبد تحكما *** وهم أرادوا أن يصول فصالا

والجهل داء قد تقادم عهده *** في العالمين ولا يزال عضالا

لولا الجهالة لم يكونوا كلهم *** إلا خلائق إخوة أمثالا

لكن خفض الأكثرين جناحهم *** رفع الملوك وسود الأبطالا

 

الأحدث