جدول المحتويات
عند حلول منتصف العقد السادس للدولة الموريتانية وقريبا من منتصف العهدة الثانية للجنرال السابق والرئيس المنتخب حاليا، كان من الواضح أن شيئا قد تغير… وأن مرحلة جديدة قد فتحت أبوابها ربما علي المجهول… وبدا من المؤكد أن البلد الأفريقي الصحراوي الفاسد والفقير والمنهك وشعبه المتطلع إلي نموذج "البطرون" ومفاهيم "الترقي" و"الجو" وثقافة "اتشعشيع" قد وصل نقطة اللا عودة.
على مستوى السلطة صنف البلد دوليا في قائمة البلدان الفاشلة.
فقد هيبة الدولة، والانفلات الأمني، وعجز الحكومة عن تحسين أوضاع المواطنين كانت العناوين البارزة للفساد السياسي والاقتصادي لنظام ولد عبد العزيز، إضافة لفقد مصداقية الرئيس والسلطة.
تتجلي المعضلة الأخلاقية للنظم العالم ثالثية في رئيس يثري أحد أقاربه في سنين معدودة ليصبح رجل أعمال متزايد النفوذ، بأموال نهبها من خزينة الدولة ليجعلها تحت إدارته تواريا من عين القانون، الرئيس ذاته الذي يطالب بعمولة من رجل أعمال هو من مول حملته!!.. لينتهي المطاف بالأخير هاربا بنفسه خارج البلد خوفا من فورة غضب مفاجئة من الرئيس الذي أدت به فيما بعد لتصفية حساب معه لم يكن آخر فصولها إغلاق الفتى الناشيء ورجل الأعمال الذي صنعه الرئيس بمال الخزينة العامة لإحدى مؤسسات الرجل الذي أثرى بجهده وعرقه وذكائه قبل أن يحلم الجنرال بالنجوم..
إن الاهتزاز الشنيع للصورة المقدسة للقائد في التصور الديني للشعوب المسلمة يتجلي في رئيس يطلق ابنه النار علي فتاة.. لتتم التسوية بعد ذلك بقوة المال والسلطة هذا إن لم تتأكد صحة تسجيلات "أكرا!!!"
مع كل هذا تم أيضا التغاضي عن المساس بالمقدسات الإسلامية والأعراف الإجتماعية ٱمام حالة مرعبة من الإنفلات الفكري والأخلاقي والتطاول علي الله والإلحاد وسب الرسول صلي الله عليه وسلم وتمزيق المصاحف وإحراق كتب الشريعة المعتمدة عند المرجعية الدينية الموريتانية والمحسوبة مصدرا للقانون نص عليه الدستور…
في هذه الأوضاع لم يكن بالإمكان غير احتقار الوطن وامتهان النفس والدوران في فلك المنفعة الشخصية والمتعة وغياب أي قيمة غير قيمة المادة.. لذلك ومن فوضى المعنى وفوضي الأشياء هذه ولدت فوضى قيمية في المجتمع شكلت عوامل تعرية لبنيته الروحية والشعورية (البنية الأخلاقية) فاستفحلت ثقافة "الموالاة" لنيل مكاسب مادية واجتماعية وساد المعيار المادي للتفاضل بين أفراد المجتمع واستشرى اللهاث خلف الأوقية التي باتت في أسوإ حالاتها.
سادت مكان قيم الأصل الطيب والمروءة والرجولة عند الشباب قيم التباهي والبذخ وعم طوفان الهوس بالسيارات لجذب أنظار الفتيات – المتطلعات إلى "لحظة سعادة" على شارع "عزيز" أوفي "آبرتماه" مفروش مكيف -بموديلات "أفانسيس" و"رينج" وطغت أحلام الشباب المستنسخة من نماذج "الأحلام الأمريكية" وترانيم "الدفء الأنكولي" على قيم البرور والصلاة والأخلاق، وطغت مفاهيم "لستايل" و"الحياة" و"الجو" وعلا صوتها في أدمغة الشباب، إضافة إلي مفهوم"فكبوهات" الذي هو تصنيف احتقاري لمن يرفض الخضوع "للنموذج النمطي المعمم" الذي يراد فرضه بقوة اللغة والمعاملة المهينة هذا التصنيف الذي يستبطن في بعض الأحيان نزعات إجرامية ويحتقب جذورا "عصاباتية" نشأت في سياقات غريبة علينا، زد علي ما مضي شيوع "النموذج النمطي المعمم" وما أصبحت ترمز إليه تسريحات (تورس) أو "خواريزما" أو "سبايك" وسراويل "سليم" والسجائر الحمراء.
وفي ظل غياب سلطة من أي نوع والتكالب على المصالح الشخصية عند من بيدهم أمر البلد انتشرت ظاهرة "رابيرات" المسترذلة، الغوغاء الوضعاء محترفي النكارة والسفالة بمظاهرهم المستشنعة والدخيلة علي المجتمع عبدة النموذج الأمريكي المتردي والشقي وتوالت علينا "كليبات" الخشب المسندة تجلد ما تبقى لدينا من بشرية بمشاهدها الخليعة بدءا من"بدأ من انواكشوط" إلى "العينين اداكو" مرورا ليس بالكريم ببقية إصدارات الخواء العقلي والروحي المسماة بفن الراب عند من لا يفقهون من الفن غير الأصوات المنكرة والبذاءة.
وفي ظل انشغال كل بنفسه وانحلال المعني والحقيقة وفقدان الثقة بـ"موريتانيا" تطلعت الفتيات إلى ثقافات شعوب مختلفة جذريا ولم يعد من السهل ولوج دار لا تسمع فيها الرطانة الهندية ولا تتردد في جوانبها أصداء الأغاني الهندية فـ"زي ألوان" و"زي أفلام" أصبحت مشاهد مألوفة في البيوت والدليل على أن الأمر مرده إلى تبدد الحلم وانهيار الأمل انتشار هذه الظاهرة في "الكزرات"أكثر من غيرها بفارق كبير!!
أصبحت تجد الفتيات اللاتي ضاعت آمالهن يعوضن أنفسهن بتتبع أخبار نجوم يملكون كل شيء المال والوسامة والشهرة والشباب فهن يعلمن أن أحلامهن لن تتحقق وتجدهن يتفنن في تفاصيل حياة نجوم بوليوود إظهارا لرقي مجنيٍّ عليه وتحضر مثير للشفقة بعد أن غسلت أدمغتهن.
إن أصل المشكلة برمته أخلاقي وإن الانحلال الذي يهدد بالكارثة قد نشأ في كل زمان ومكان من الإباحة الرمزية التي تفهم من الشخصية الذهنية للسلطة والنظام القائم في أي مجتمع وهذا قانون من قوانين الزمن ونظام الأشياء…