جدول المحتويات
ولقد بدت لي خلال تلك الآونة ملاحظات حول ما جرى في مباني رئاسة الجمهورية يوم 22 – 12 – 2015، لكن الأحداث الوطنية المتلاحقة جعلتني أتريث في إبراز تلك الخواطر حتى تتهيأ الظروف المناسبة.
وفي خضم ذلك أجرى الوزير ما وصف بالتغييرات الشاملة في ديوانه والإدارات المركزية التابعة له؛ فتهيأت الفرصة من جديد.
واليوم، وبعد أن اطلعت على الطعن الذي تقدم به أحد القضاة – القاضي محمد ينح ولد محمد محمود – ضد "الحفنات" أو الترقيات التي تمخض عنها ذلك المجلس؛ عزمت على نشر تلك الملاحظات، بعد أن أحجم القضاة عن الخوض فيها ربما بدافع التحفظ المفروض عليهم أو الخوف على ما تبقى من كرامتهم، أو لأنهم ببساطة من المستفيدين من تلك الحفنات العجيبة.
أقول بعد أن عزمت على مشاركة الفسابكة وغيرهم هذه الخواطر أجد من المناسب استعراضها في ثلاث نقاط:
أولا: على مستوى التحويلات
عكست التحويلات – التي تم الكشف عنها في هذا المجلس – خلفية الوزير وعلاقات الزبونية والمحسوبية ثم الفئوية فالجهوية فالقبلية التي تتحكم في أدائه والتي لم يتمكن من إخفائها.
وهكذا تم الاعتداء على واحدة من أوكد ضمانات الاستقلالية المنصوص عليها وهي عدم قابلية عزل القضاة، إذ تنص المادة: 8 من النظام الأساسي للقضاء على ما يلي: "لا يجوز عزل قضاة الحكم ولا يحولون إلا بطلب منهم أو بعقوبة تأديبية أو لضرورة قاهرة للعمل وبعد رأي مطابق للمجلس الأعلى للقضاء”.
فعلى الرغم من هذه المقتضيات الآمرة، وفي غياب تام لأي مجالس تأديبية أو حتى تقارير للمفتشية العامة للقضاء والسجون، وعدم وجود أي ضرورة للعمل – حتى ولو لم تكن قاهرة – لم يسلم من شر هذه التحويلات سوى ثلة من بطانة الوزير.
وتم تسليم دفة المحاكم ذات الحساسية البالغة لمجموعة من القضاة المكتتبين حديثا من ذوي قرابات الوزير أو المعروفين بأنهم قد بذلوا جهودا محمودة في دعوى النسب، بغض النظر عن رتبهم وكفاءاتهم وتجربتهم ضاربا عرض الحائط بالمعايير المنصوص عليها قانونا حيث تنص المادة: 4 من النظام الأساسي للقضاء على أنه: "يتم تعيين القضاة في مختلف الوظائف القضائية اعتبارا لرتبتهم وأقدميتهم داخل هذه الرتب بمرسوم صادر عن رئيس الجمهورية بناء على اقتراح من المجلس الأعلى للقضاء بالنسبة للقضاة الجالسين وبمقرر من وزير العدل بالنسبة لقضاة النيابة العامة".
ثانيا: حول الترقية:
إن الموظف – أيا كان – يسعى خلال مشواره المهني للتميز والترقي داخل السلم الوظيفي، ووفق الأشكال المقررة لكل سلك.
وتختلف طريقة الترقية وكيفية الوصول لها من سلك لآخر. وما يميز نظامها في سلك القضاء هو "نظام المعادلة" سيّء الصيت، والذي ترتكب باسمه، وفي ظله، كل المظالم المتعلقة بالترقية والتقييم.
بالمناسبة ما فتئ القضاة يطالبون بمراجعة النظام الأساسي للقضاء، وقد صدرت عدة توصيات من المجلس الأعلى بضرورة إجراء هذه المراجعة، ورغم أن مسودة التعديلات توجد على مكتب الوزير منذ أزيد من عام، إلا أنه فضل تجاهلها وجعلها في ذيل اهتماماته، ليكرس كل الوقت لإخراج النصوص المتعلقة بما يسمى بالاسترقاق، ومناهضة التعذيب.
وهكذا بقيت النصوص الأساسية التي تعتبر الباب الصحيح لأي إصلاح موضع تجاهل تام، وبقيت المعادلة المذكورة هي الأساس الوحيد للترقية، وبالمناسبة فهي مكرسة بالمادتين: 3 و 27 من النظام الأساسي للقضاء حيث تنص المادة: 3 على أنه: "يشمل السلم القضائي أربع رتب:
– الرتبة الرابعة وتضم القضاة غير المؤكدين وتحتوي على أربع درجات (8) سنوات على الأقل، ثلاث منها قيد التربص.
– الرتبة الثالثة وتحتوي على ثلاث درجات (6 سنوات على الأقل).
– الرتبة الثانية وتحتوي على ثلاث درجات (6 سنوات على الأقل).
– الرتبة الأولى وتحتوي على ثلاث درجات (6 سنوات على الأقل).
في حين تنص المادة: 27 من هذا القانون على أنه: "تتم الترقية من حيث الرتبة حسب الجدارة فقط – (لم يعرف النص الجدارة وإنما يمكن تلمسها من خلال بطاقات التقييم السنوية التي يتم تنقيط القضاة بموجبها من رئيس المحكمة العليا بالنسبة للقضاة الجالسين والمدعي العام بالنسبة لقضاة النيابة العامة والوزير وغيره من أجهزة الإدارة حين يكون القاضي في وضعية يتبع لها). المادة: 25 "يجب أن يسجل القضاة في جدول التقدم من أجل الترقية إلى الرتبة الأعلى وأن يكونوا قد أنهوا درجات رتبهم.
لا تدرج فترة الاستيداع في حساب الأقدمية.
لا ينتقل القضاة من رتبة غلى رتبة أعلى إلا بمرسوم صادر عن رئيس الجمهورية بناء على اقتراح من المجلس الأعلى للقضاء واعتبارا للمعادلة التالية.
– 10 / في الرتبة الأولى.
– 15 / في الرتبة الثانية.
– 25 / في الرتبة الثالثة.
– 50 / في الرتبة الرابعة.
والقضاة الذين استكملوا درجات الرتبة الأولى يكونون خارج السلم ويمكن أن يمنحوا امتيازات إضافية بمرسوم.
من أجل تطبيق هذه المادة والمادة ٤ من النظام الأساسي للقضاء يجوز للمجلس الأعلى للقضاء أن يقوم بتوزيع استثنائي للقضاة بين مختلف رتب القضاء".
وانطلاقا من النصوص السابقة، واعتبارا لحساسية المسارات المهنية للموظفين، يجب تطبيق هذه المقتضيات بكثير من الشفافية؛ وانطلاقا من معايير موضوعية يصعب توافرها. ما حدا بجميع وزراء العدل – والذين أتيح لبعضهم الإمساك بزمام الأمور في قطاع العدل مدة طويلة نسبيا – أن يصرفوا النظر عن الاستفادة من ممكنات هذه الترتيبات، أي التوزيع الاستثنائي للقضاة المشار إليه في المادة السابقة، لما ينجر عنه من محاباة ومظالم تضاف للمظالم الأخرى التي يشكو القضاة منها والمتعلقة بمعايير التقييم، وحصره على جهتين لا ثالث لهما هما: رئيس المحكمة العليا بالنسبة للقضاة الجالسين والمدعي العام بالنسبة لقضاة النيابة العامة، وهذه هي آليات التقييم المشكوك دوما في نزاهتها، مضاعفة بنظام المعادلة المذكورة.
لقد استفاد البعض من هذا التوزيع الاستثنائي دون أن يجد له مبررا حتى في أحلام يقظته، وحرم منه آخرون تضافرت جميع الشروط الموضوعية لاستفادتهم منه، سواء تعلق الأمر بالأقدمية أو الجدارة أو السن.
بل أكثر من ذلك حظي بالترقية من خلال هذا الإجراء مجموعة من القضاة لم يكملوا سنتهم الأولى في سلك القضاء، ولا يزالون بحكم فترة التربص ومقتضياته مجبرين على البقاء في الرتبة الرابعة، (راجع المادة: 3 التي تنص على أن الرتبة الرابعة تحوي جميع القضاة غير المؤكدين) لأنهم لا يزالون عرضة لعدم التاكيد، ولم يقل أي قائل إنه يمكن أن يتم التأكيد بموجب هذا التوزيع المذكور، ولم يظهر بعد ما يمكن أن يميزهم عن أربعين قاضيا تم اكتتابهم معهم دفعة واحدة – باستثناء تميز واحد منهم بمشاركته في صياغة القرار الأخير الذي صدر لصالح الوزير في نزاعه مع أرملة المرحوم عبد الله ولد داداه (والده حكما)، وكانت ترقيته خارقة للعادة ومتناسبة مع ذلك المجهود، حيث استفاد من تخطي 13 سنة من الأقدمية – على افتراض حصوله على التقدم عند كل استحقاق.
لقد ترقى هذا القاضي المكتتب خلال السنة الماضية إلى الدرجة الثالثة من الرتبة الثالثة.
ويكفي أن نعرف أن بعض القضاة المكتتبين منذ سنة 1984 لم يستطيعوا بعد الوصول لهذه الرتبة؛ لنعلم كم هو محظوظ، فسبحان مقسم الحظوظ!
ولعل القاضي عثمان محمد محمود حاول لفت النظر لاختلال هذا الإجراء، خصوصا أنه -أي القاضي عثمان- كان ضحية مجلس تأديبي جائر، وهو أحق من غيره بأن يعاد له الاعتبار ويرفع عنه الظلم، ويستفيد من هذا الحنو الطافح (حفنات جِبْرِيل)، لذلك جاءت هذه الإجراءات خارجة على المألوف ولم تخضع لأي معيار موضوعي، ما جعلها عرضة للانتقاد حتى من طرف المستحقين للترقية، لأن الوزير شوش على استحقاقهم ذلك بدمجهم مع مجموعات أخرى لم تتوفر فيها الشروط الموضوعية للاستفادة، فكثرت الانتقادات، وطرحت ملاحظات عديدة منها – في اعتقادي –
ثلاث جديرة بالرد عليها وهي:
أولا: كيف يمكن أن يتجاهل الوزير إلزامية إعداد جدول الترقية وإحاطة القضاة علما به في الآجال المحددة في النظام الأساسي للقضاء، حتى يتمكن القضاة الذين لم يظهروا على الجدول، أو أولئك الذين لم يراع ترتيبهم من حقهم الطعن في هذا الجدول (المواد: 27، 28، 29، 30، 31، من النظام الأساسي للقضاء)، ولا يمكن الاحتجاج بالتوزيع الاستثنائي لحرمان القضاة من هذا الحق.
ثانيا: أن المادة الثالثة من النظام الأساسي تنص على أن جميع القضاة غير المؤكدين يبقون في الرتبة الرابعة طيلة فترة التربص ولا يمكن تحت أي استثناء أن يغادروا تلك الرتبة قبل تأكيدهم (المادة: 28 تنص على أن المدعي العام ورئيس المحكمة العليا كل فيما يخصه يوجه اقتراحا لوزير العدل بالتأكيد أو التمديد أو إنهاء الوظائف بعد إكمال فترة التربص المحددة بثلاث سنوات(.
ثالثا: أن المادة: 27 التي تمنح إمكانية التوزيع الاستثنائي، ربطته بالمادة: 4 التي تنص على وجوب احترام الرتبة والأقدمية كمعيار لا يمكن القفز عليه، حتى في ظل تطبيق مقتضيات التوزيع الاستثنائي.
ثالثا: حول ملامح الإصلاح: أراهن على أن وزير العدل الحالي لم يمر بكلمة الإصلاح ولو عرضا منذ تسلمه مهامه، فقاموسه السياسي والدعائي المفترض أن يقوم على عدة ركائز من بينها، بل في مقدمتها إصلاح العدالة وتطوير البنى التحتية للجهاز – الأقل حظا -، يفترض أن تدفعه للحديث عن رؤيته الإصلاحية لو كانت موجودة أصلا.
لذا فقد كفانا معاليه التعليق على هذا المحور الملح، والذي غاب تماما منذ غادر ولد الزين، الذي كان يراهن على تعديل النصوص المنظمة للسلطة القضائية، ويرعى عديد الورشات والملتقيات، ويضع في سلم أولوياته تكوين القضاة وتحويلهم في الوظائف القضائية حسب مؤهلاتهم، واحتراما لرغباتهم ما لم تتعارض مع ضرورة ملحة.
ليس ذلك على إطلاقه فللرجل أخطاؤه، ولكن يجب أن لا ننسى أنه إطار اقتصادي، وهذا "السيد" قانوني، بل هم محام قديم، يفترض أن له من الإلمام بالقطاع ما يجنبه هذا السقوط المدوي.
هذه ملاحظات صغتها على عجل حين اطلعت على "قلة نتائج" هذه الدورة الأخيرة للمجلس الأكثر تأثيرا في حياة القضاة، وقد حرصت على إبرازها بهذا الأسلوب السهل وحاولت أن يكون التدليل عَلى خطل ممارسة الوزير من النص القانوني المنظم للسلطة القضائية، حتى تنجلي مغالطاته للسلطات العمومية، وخاصة رئيس الجمهورية رئيس المجلس الأعلى للقضاء، الذي لا شك أنه أقنعه بوجاهة هذه الإجراءات قبل تمريرها في مجلس، لم يقيض له للأسف الشديد أن يكمل أعماله نتيجة للحادث المفجع الذي راح ضحيته المغفور لهم بإذن الله، أحمدو ولد عبد العزيز و رفيقين له من أبناء هذا الوطن الغالي.
لقد كان من اللائق، وتقديرا لدقة الظرف وهول الفاجعة، أن يتم تعليق أعمال هذا المجلس لوقت لاحق، ولكن الوزير المتلهف لتمرير هذه الخروقات، والحريص على استغلال فرصة انشغال الجميع عن إعطاء الوقت الكافي لنقاش إجراءات من هذا العيار لم يسبق أن عرض مثلها على أنظار المجلس بهذا الشكل وبهذا الحجم، (ترقية أزيد من ثمانين قاضيا بشكل استثنائي)، أقول انتهز الوزير هذه الفرصة بكثير من عدم اللباقة، وعاد إلى مكتبه منتشيا بنصر موهوم وكأنه حرر بيت المقدس.
لقد انتصر دون شك في معركة إلغاء المدعي العام، وتهميش رئيس المحكمة العليا، وطحن النصوص المنظمة للسلطة القضائية، ولكنه خسر معركة الإصلاح قطعا.
لقد ظهر جليا أن مصالح الوزير لا يمكن أن تتقاطع في شيء مع إصلاح عدالة، هو أحد زبنائها المسؤولين عن ما آلت إليه.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.