تخطى الى المحتوى

الفلكلور بين ضرورة تقديره و خطورة تخديره

جدول المحتويات

دون أن يمنع ذلك كل جيل من إضافة أشياء جديدة أو حذف أشياء لتتوافق باستمرار مع واقع حياته. و أما أصل تسمية "فلكلور" فمأخوذ عن اللغة الألمانية (Volkskunde) ومعناها (علم الشعوب) و يقابلها باللغة العربية (التراث) الذي هو الإرث عن الأسلاف من الثقافة و التميز الحضاري.


و لكن معظم الشعوب اليوم و قد وصلت بها ثورتها على التخلف و الظلامية إلى درجات عالية من رقي التفكير و بلغت من التحضر و العلم درجات تغيرت معها الأشياء و تحررت العقول من الخرافة و اندحرت الأسطورة، فإنها ظلت مستمسكة بفلكلورها محافظة عليه كجزء هام من شخصياتها و هوياتها و خصوصياتها و علامات بارزة لتميزها و اتزانها النفسي و رفاهيتها الفكرية التي تخفف عليها من وطأة العلمية المادية الكرتيزية.


و لكن هذه الشعوب، التي تبنت القطيعة مع ما "قبل العقل و المنطق"، خلقت لفلكلورها الإطار الملائم حتى يظل حيا و رافد إلهام دون أن يشوش على الحاضر في حيويته و حريته و صناعته الدائبة للمستقبل الأكثر استجابة لمعطى الرقي العقلي و العطاء المادي؛ أطر سلسة و ديناميكية تجمع بين المتاحف و المسارح و المهرجانات تؤدي أدوارا متكاملة في حيز زمني معلوم  و فضاءات مادية محددة لا تشوش على متطلبات الحداثة و في علاقة متوازنة مع الإعلام دون إفراط و لا تفريط.


و قد استطاعت بلدان كالهند و الصين و البرازيل و غيرها أن تتجاوز عقدة "الهوية الضائعة" و تضييع وقت التنمية في الكرنفالات المفرطة، بتقنين عمل الحفاظ على الفلكلور من خلال تحديد نوعية مظاهره و عدد التظاهرات و تحديد فتراتها و حيزها في الإعلام و في مخرجاته حتى:


·        لا يصاب بالميوعة فلا يؤدي الدور المنوط به،
·        لا يمكن استغلاله في إحياء المدن القديمة و ميراثها الحضاري،
·        لا يستفيد من السياحة التي أصبحت أحد أهم أركان اقتصاديات الدول التي تمتلك رصيدا تاريخيا هاما و محط عناية سياح العالم المهتمين بتاريخ الحضارات و آثارها.


و قد أدركت هذه الدول الخيط الفاصل بين سجن الفلكلور و ما يكتنفه من الأساطير و الخرافات المقيدة في صميم تشكيل السلوك الاجتماعي و ما يعنيه من حفاظ على الهوية و الخصوصية، فاتجهت إلى توظيفه علميا و اقتصاديا و ثقافيا و سياحيا بكل دلالاته و في كل جوانبه و إيحاءاته حتى أضحى إلى جانب التمكن من الحفاظ عليه ميزة و هوية، اقتصادا و مصدرا للعملة الصعبة و التشغيل.


في هذه البلاد ما زال التمسك بالفلكلور يراوح مكانه متقمصا وحدها المظهرية الصاخبة بعيدا عن جهد التقشير و التقنين و التثمين، و تجاوز رديئه و غثه إلى استثمار سمينه و إدماجه في منظومة جديدة تجمع بين الأصالة و الحداثة و تعطي عن البلد صورة ناصعة و تبلغ رسالة سامية.


و أما أن يستحوذ الفلكلور على كل وقت الإعلام التوجيهي، التهذيبي، الإرشادي و التثقيفي فذاك وجه آخر مخل بعملية البناء الإرشادي المتوازنة و أمر لا بد من إعادة النظر فيه حتى لا يتحول هذا الفكلور إلى مخدر و منوم و لاهي  عن جوانب بناء الذات الأخرى الوطنية الديناميكية المشيدة لصرح لم يقم بعد في منعرج دقيق و عصر استثنائي بوعيه الطافح الذي طلق بدون رجعة مع الخرافية و الأسطورية.


لا شك في أن إفراط القنوات التلفزيونية في تناول الفلكلور شعرا و رقصا و صناعة تقليدية و مديح نوي من غير تصحيح نصوصه و تنقيحها من الشوائب المخلة بالسيرة العطرة لسيد الأنام، و من التشبث بـ"الدراعة" لفظا بإطراء مفرط حضورا في ميدان العمل و كأن العري يسري على الأجساد و الأرواح من دونها و هي التي تفسد فيه أكثر مما تلائم، أمر لافت من خلال أمثلة و كأن هذا التراث هو الشغل الشاغل الأوحد لها و مربط تنافس المتنافسين لها قنوات تشيد في كل ركن خيمة شعر أو "مَرْجَعْ" رقص أو معرض أفلام وثائقية مكررة في الوصول به إنتاجا متشابها إلى الجماهير بأقل جهد إبداعي و على حساب جوانب الرسالة السامية لها بأوجه التحسيس بأضرار التخلف و التوعية بأهمية توظيف التراث لعملية التحول و التطور و الوعي الملتزم  ولأن الانشغال المفرط بالفلكلور، و ضرورات التحول صارخة بالإلحاحية، أمر شبيه بالسير على جهاز المشي الرياضي الذي يبقي الشخص يسير دون أن يتحرك فعليا من مكانه و التوقف من دون الالتحام بمتطلبات الحداثة و كأنه الحياة في انتظار الموت".

 

الأحدث