جدول المحتويات
فاعتمدت الحكومات هذه المنظومة و لم ترغم الشعوب على المسايرة إلا في فرض الواجبات و استقصاء المزيد، و بقي الإعلام ضمن هذه المنظومة ممجدا متغنيا بمحاسن السلطة، بعيدا عن الشعوب و بعيدة عنه لا ينقل الصورة ولو كانت كاذبة إلا قبيل زيارات الحكام أو منتدبيهم للمناطق الضاربة في الفقر وانعدام التنمية، ولم يكن قاموس الإعلام العربي حافلا إلا بعبارات: (زار سيادته أو تفقد أو أوصى أو غادر أو قدم…).
و لم يأخذ على عاتقه تنمية الوعي الجماعي ولا تثقيف الشعوب إلا بالواجبات، فقد كان نظاما مكملا لوزارات الأمن في البلدان العربية.
و مع توجه الحكومات و بضغط من الرأي العام المحلي و الدولي إلى توسيع هامش الحرية ظهر إعلام مبحوح لا يكاد يبين، لكنه كان بداية لمرحلة جديدة فرضتها حالة التململ والاحتقان والخروج على الواقع البائس لهذه المجتمعات، بوعي بهذا البأس أو من غير وعي.
وقد شكلت فترة التسعينات من القرن المنصرم ظهور قنوات تدعو وتخاطب المجتمعات العربية، تنشد وعيها بالقضايا الكبرى للأمة و تغوص في معاناة الشعوب الداخلية و إن كانت موجهة لمصالح أقطار بعينها حسب بعض المراقبين.
و مع بداية القرن الواحد والعشرين بدا أن معاناة وبأس الشعوب في ازدياد كبير. لكن الواقع أن الإعلام بدأ يواكب الظلم ويكشف عن المزيد منه وذلك بحكم تعدد وسائل الإعلام وتنوع وسائطه (الإعلام الاألكتروني، شبكات التواصل الاجتماعي…).
و مع تعفن المنظومة الوافدة و التي لم تستخدمها الأنظمة إلا لصالحها وضد الشعوب البائسة، بدا أن التغيير أمر لا مناص منه وإن كان بطريقة عفوية إذ لم يكن الدور الأبرز فيه لوسائل الإعلام التقليدية بل كان نتاج تكامل نخبة معينة بحساباتها الألكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك، تويتر، يوتيوب…) مع طبقات بائسة و فقيرة لم تعد الدولة تستطيع قمعها و لا الوعود و التفهم يجديان نفعا مع من ضاق بهم الواقع المر الرحب.
فكانت النتيجة ثورة عفوية بكل المقاييس لم تتنبأ مراكز البحوث المختصة بحدوثها و إن كان بعض المراكز قد حاول مسايرتها و التحكم في مسارها لصالح بعض القوى التي تفاجأت من هذه العفوية.
و بعد وقوع المحظور والمرجو تفاوتت وسائل الإعلام في المواكبة كل حسب سياسته التحريرية أو رغبته في نقل ما يريد "مُموِّلوهُ" أن يخرج للعلن، فظلت بعض القنوات تحرس الثورات و تمجدها وتبشر باقتراب الفرج، و ذهبت أخرى تحذر من النتائج و تشمت في النماذج، لكن الوسائط الإعلامية ظلت وفية للنقاش المغاير و نقل الأحداث بعيدا عن خط التحرير و إكراهاته.