تخطى الى المحتوى

ولد عبدي، اسم بقى محفورا في تاريخ موريتانيا

جدول المحتويات

 

من رأى تلك الوجوه المُودِعة التي توافدت ملبية نداء واجب الصلاة على الرائد محمد ولد عبدي ولد أكبيكيبْ وتشيع جنازته تستوقفه قسمات الحسرات والأوجاع والدموع المخبأة والصدور التي تمتلأ غيظا وأسفا وحزنا على فراق الرجل ، في ذات الوقت الذي يسجل الحاضرُ للموكب الجنائزي ضخامة الحضور وكثرة الباكين والصابرين والمتأسفين وتنوع جهاتهم وقبائلهم …

 

لأنهم العظماء وهذا منحاهم ودربهم لا يمكن أن يترجل أحد منهم ويودع الدنيا دون أن تودعه الدنيا بأكملها ، هم لا يرضون أن يتحسر الأهل عليهم بمفردهم  بل لا بد أن ينتشر خبر نهايتهم قي الدنيا ، فلا يمكن أن يدخلوها ويأتوها بصمت ويغادرون عنها بصمت دون ضجيج ودون أن يتألم لهم من عايشهم ومن عاملهم ومن تأثر بهم ومن صنعوا له التاريخ لينعم بنعيم الحرية والأمن دون مقابل ، ومن فدوه بأرواحهم ومن لأجله عانوا وعُذّبوا في السجون …

 

هذه نقاط يمكن أن تفسر ملحمة يوم الرحيل وأسباب تفشي الخبر وحضور من سمع  ملبيا دعاه الواجب كي على الأقل يودع الراحل بقليل يمكن أن يعوض الكثير الذي سمع عنه أو قدم له …

 

استوقفتني عند وفاة الرجل نقاط يمكن للناظر استخلاصها من مراحل حياته التي لم تطل كثيرا وأحببتُ أن أنقاشها مستعرضا من خلالها الخيوط المؤثرة والناغمة لتجربته التاريخية ، والمراحل التي مرّ بها وجعلتْ منه رجلا وطنيا مُخلّصا ضحى وقاتل من أجل التغيير وعاش حرا يفجر للقادمين مع الفجر ينابيع الإباء والعزة والكبرياء ، ولأن العظماء لا يمكن فهمهم إلا بالتماشي مع أهم مراحل حياتهم فعلتُ ذلك لأسجل ما يمكن تسجيله من تلك النقاط ولنحفظ للتاريخ درب رجل عظيم أبيٍّ مرّ من هنا ذات يوم …

 

ولد عبدي من مؤسسي حزب الاتحاد والتغيير الموريتاني ـ حاتم ـ وُلد الرحل في مدينة العيون ، وتعلم القرآن على والده عبدي الذي سبقه بأشهر للموت ، وحصل على الباكلوريا في العلوم الطبيعة من ثانوية العيون ، لينتقل بعد ذلك إلى جامعة بغداد في العراق ويكمل دراسته هناك ، مما يدل على أنه كان من المتفوقين في الدراسة ، ليتخرج من جامعة العراق مهندسا ويعود للوطن بدبلوم مهندس في أشغال الزراعة ، لكن للأسف لم يكن لشهادته هذه محل من الإعراب ولم تكن حركات كلماتها مفهومة في دولة قلما تفهمُ تمحيص الحروف ، ليعود ويشارك في الجيش ويخدم الوطن من جانب آخر ،

 

ولأن الكبار لا يستطيعون تحمل الظلم ولا يستطيعون السكوت عنهم ، ولأن من فهم ودرس وتثقّف مستحيل أن يترك من هم دونه مستوى يبطشون بالعباد وخيرات العباد كان الراحل من ضمن الضباط الأربعة الأوائل الذين خططوا للإطاحة بالنظام ـ نظام ولد الطايع ـ وتغير مجاري الحكم في موريتانيا ، وبنية حسنة وهمة لا تمل واصل الراحل مع زملائه في المؤسسة العسكرية وأعدوا مشروع انقلابهم 2000.

 

وبعد فشله عاودوا التخطيط من جديد لانقلابهم الثاني الذي كان في يوم 8 يونيو 2003 وكان الراحل مكلفا بالسيطرة على وحدة الهندسة العسكرية وهو ما فعل على أكمل وجه وبقيّ مسيطرا عليها حتى ساعات الانقلاب التالية بل حتى تم القبض عليه والزج به في السجن ، لتبدأ مأساة الأهل هناك ويواصل هو في همته وفي مشروعه الذي كانت تفاصيل إعداده تجري مجار الدم في عروقه ،

 

فبينما كانت "زوجته ليلى وأخته مريم" ومن حولهم من أهل يلتحفون الصبر واليأس ومزيجا من الأمل والرجاء خارج أسوار السجن ويكابدون الأرق والتعب في سبيل حبه وفي سبيل معاناته ، كان هو على رأس الخلية هناك في السجن يعدهم ويقوي نفسهم داخل الســـوار ، وعلى تواصل مع زملائه في الخارج يعدون للانقلاب الثالث ، هم خارج السجن وهو داخله ، ليعلم العاقل والمتأمل في ذلك أنه لا محل للنسور في الأرض وليس هناك فضاء يحد همتها غير المعالي ومطاولة السماء على رؤوس العباد ، قصة لم تنتهي ومشروع لا يخمد إلا ليُذكى من جديد ، فقط لأن النار التي تذكيه تسكن الأفئدة والقلوب وتجري مجاري الدم في أصحابها حتى وإن كانوا بين أربعة جدران ومحاطين بالجند والعتاد ومكبلين بالسلاسل…

 

هذه مفارقة عجيبة صنعها الرجل ، فالرجل إذا آمن بقضية يستحيل أن تُزحزح أو تنزع من قلبه مهما حدث ، وكان ولد عبدي ذلك الرجل الذي يعاني في السجن ويخطط لأمره ولقضيته مرة بعد مرة في صمت وفي دهاء شهد به الجميع وفي خلق يجعل الجنديّ يطيع دون إرغام وبل ويفعل الأمر بإيمان يفوق إيمان من زرع في نفسه القضية والإيمان بها …

 

ويدل هذا الأمر على أن قضية الفرسان تشكلت في النفوس وترسخت في الاعتقاد قبل بلورتها بالبنادق وعلى الدبابات ، وهو أمر عظيم قل أن يتكرر مثله أبدا فلولا الخيانات ولولا الانتكاسات ولولا سرقة مضامين القضية ليجني ثمارها من وقف ضدها بالأمس لكنّا عشنا واقع بواعث ونتائج انتصار فكرة أؤلائك الفرسان …

 

رحل الرجل وبقيّ ذكره وتاريخه الصامت مثل صمته ، فالصمت كان سمته البارزة فلم يكن يتحرك لأسباب شخصية ولا لأغراض خسيسة ولا لشهرة أو متعة بل من أجل قضية وموضوع ، ومن خلال ما قدم في تلك القضية والموضوع يمكن أن نقرأ سطورا من ذهب كتبها بتضحياته بإيمانه بخلقه وشجاعته وإقدامه ، ليبقى حــــاضرا في نفوس محبي هذا البلد وأهله من كل حدب وصوب ومن في نفسه بقية كرامة وإباء ، رحمك الله يا ولد عبدي ، فقد كسرت قلوبا أبية وفجرة دموعا كانت تستعصي على النزول وتركت المحبين  والمعجبين هناك ملهمين بك وارتحلت دون إذن ودون سابق إنذار ، لكن هيهات أن نساك فما تركتَ ما يمكن نسيانك من خلاله أيها الراحل ، وأيها الفارس الساكن في القلوب  الذي يملأ الأذهان ماضيكَ وما قدمت للبلد والأهل ، فقد أوسعت مفاهيم الإباء والعزة والشهامة وكتبتَ اسمك من ذهب على جدار المعالي لكي لا تُنسى….         

 

الأحدث