تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

وأجدني مضطرا للكتابة ثانية لأن الأوضاع الإقليمية، وما تنذر به من تهديدات مدمّرة تزيد خطورتها أوضاع داخلية يطبعها التنافر بين الفرقاء السياسيين، تقتضي إجماعا وطنيا من أجل ضمان استقرار بلادنا وتمكينها من عبور الفترة الحالية بسلام، ولم لا يكون هذا الإجماع فرصة لهبّة وطنية من أجل البلاد والعباد.

 

هذا ما يجعلني أعود إلى ما قلته من قبل تحت عنوان " المشكلة والحل" وأحدثه اليوم تحت عنوان" في الحوار الوطني"، وهو في الحقيقة إنذار لنا جميعا قبل فوات الأوان.

 

لقد قلت وأقول:

1-  إن مهمة السلطة- وكذلك المعارضة- هي بناء الدولة وتدعيمها بتوفير الكرامة الإنسانية للمواطن، والديمقراطية ليست هدفا في حد ذاتها بل هي وسيلة لتحقيق هذه الكرامة، والديمقراطية الشكلية تقتل الديمقراطية الحقيقية لأنها لا تنتج إلا دمقرطة الاستبداد بمشاركة الجميع في ذلك، يمينا وشمالا، عن وعي وغير وعي، كما أنها تفقد الموالاة والمعارضة دورهما البناء، وتجرد الصحافة من سلطتها، فتصبح المحصلة البارزة لكل ذلك "كلاما بكلام". 

 

2- إن الاستقرار الذي نتمتع به إلى حد الآن يعود الفضل فيه أساسا إلى القيم الثقافية التقليدية، التي أنتجت عقلية تعطينا مهلة محدودة زمنيا، عقلية اتكالية تجعل الجائعين والمرضى والعاطلين عن العمل لا يتضوّرون علنا و لا يحمّلون السياسيين المسؤولية المباشرة عن وضعهم(…). هذه العقلية آفلة عمّا قريب مع أفول الظروف والقيم الاجتماعية التي أنتجتها واحتضنتها. معنى هذا بوضوح أن منطق الأمور وحكمة السياسة تقتضي من المعارضة والموالاة معالجة عاجلة للأوضاع حتى لا تصل الأمور إلى مالا تحمد عقباه….حفظ الله بلدنا من انخرام الأمن الذي لا يبقي ولا يذر.

 

3- إن اعتقادي أن الغني يريد أن يحفظ ماله وينميه وأن يأكل وجاره غير جائع وينام وهو غير خائف من سطوة مغير، وأن التاجر يريد أن يكون كل الشعب حسن الأحوال لكي تتوسع قاعدة زبائنه ويزيد حجم استهلاكهم وقدرتهم الشرائية، وأن السياسي يطمح إلى أن تكون نفسه مطمئنة وعينه قريرة بما بسطته سياسته من العدل والأمن، وأن المعارض يفرح عندما ينجز الحاكم عملا ملموسا للصالح العام، والحاكم عندما يعينه المعارض بنقده فيصحح سياساته، وأن المواطن إذا وجد الحاكم منشغلا بالبناء منهمكا في الصالح العام واضح الرؤية للمستقبل يشد أزره ولا يسأل عن قبيلته أو قوميتة أو انتمائه السياسي، لأن المواطن لا يتحدث عن تلك الأمور إلا عند ما تكون خصال المسؤولية العامة مفقودة أو ناقصة.

 

 وعندما يسود جو البناء الوطني يزول كثير من الأعراض التي تنهكنا اليوم، فيكون طرح الأمور بتعريف الموريتاني بأنه مواطن له حقوق وعليه واجبات، بغض النظر عن أصوله وانتماءاته، ونتجاوز بذلك كثيرا من القضايا التي تربك اليوم مسيرتنا الوطنية وتبذّر وقتنا وجهودنا وأموالنا، وتحرّف المبررات الموضوعية لما ينبغي اتباعه من سياسات التمييز الإيجابي الهادفة إلى تحقيق المساواة بين المواطنين.         

4- ومن أجل وضوح الرؤية وصحة السياسات لابد من طرح الأسئلة الصحيحة لأن صحة الأجوبة تقتضي صحة الأسئلة. وأول سؤال صحيح علينا طرحه هو: إذا كان شعبنا في حدود ثلاثة ملايين نسمة (أي أقل من سكان الدار البيضاء ومدينة الجزائر ومن سكان حي من مدينة القاهرة) وأرضنا التي تربو على مليون كلم2 فيها زهاء مساحة الجمهورية التونسية من الأراضي القابلة للاستغلال الفلاحي، ولنا ثروة سمكية هائلة(وهي ثروة متجددة) يمكن أن تدر علينا عائدا سنويا يماثل عائد بعض الدول البترولية، وثروة حيوانية تفوق حاجتنا، ألا يعتبر من غير المعقول وغير المقبول (بغض النظر عن المعادن والخيرات والإمكانيات الأخرى- وما أكثرها ) أننا لم نوفق إلى حد الآن في توفير ظروف العيش الكريم لشعبنا؟

 

وبما أن الإجابة بديهية وواضحة، فإن السؤال البديهي التالي هو: ماهي السياسات اللازمة لتوفير ظروف عيش كريم لهذا الشعب، بما في ذلك الممارسة السياسية الملائمة والتنظيم الإداري اللازم، وما قد يلزم اتخاذه من إجراءات لضمان خروج السلطة من دائرة العاصمة ليكون حضورها بنفس الدرجة في عموم البلاد.   

 

 إني أطمح إلى رؤية المشهد الوطني معبأ والسياسيين الوطنيين مجندين من أجل رفع هذا التحدي أفعالا لاأقوالا ، وأن يقاس عملنا بما ينجز على أرض الواقع ، وأن نتفق جميعا على أنه إذا كانت الشرعية تعطى بدءا فإنها لا تصحّ إلاّ بالمصداقية التي تكتسب غلابا، تكتسب  بالإنجازات الملموسة: بتوفير لقمة العيش وفرص العمل وتحقيق الكرامة الإنسانية والعلاج  والتعليم  والأمن للمواطن، كل المواطنين، في كنف العدل الذي هو أساس العمران.

 

 إن انخراطنا جميعا في هذه الرؤية وفي العمل الجدي بمقتضاها كفيل بأن يجمعنا لمواجهة المشاكل الحقيقية، ما هو ماثل منها وما هو متوقع، فنخرج من الخلاف حول الأعراض والتخبط في أوحالها ورمالها البلاعة، ونرقى بالحراك السياسي إلى مستوى الرهانات والاستحقاقات الحقيقية.   

 

وإني أزعم أن توفير الغذاء والدواء والمسكن والتعليم  لثلاثة ملايين من الناس لهم كل هذه الخيرات في ظرف وجيز نسبيا في متناول أي إدارة تحسن التصرف.

 

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.

 

الأحدث