جدول المحتويات
وبعد شهرين تقريبا صدق جزء من "نبوءة" الاستخبارات الأمريكية – و دعاؤنا من أعماق قلوبنا أن يَكْذِبَ ويَخِيبَ ولا يصدق الجزء المتبقي – حيث هاجم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي "محطة استجمام واستحمام" "station balnéaire" بأبيدجان.
وقُتل خلال هذا الهجوم لإرهابي قرابة ثمانية عشر شخصا منهم ثلاثة فرنسيين وسيدة ألمانية (لم يصب أي أمريكي بأذى) وتبني التنظيم سريعا الهجوم كاشفا عن هوية المنفذين الثلاثة اثنان من قومية"الفُلاًنِ" وثالثهما "أزوادي".!!
ومن قبلُ كان نفس التنظيم قد نفذ عملية "احتلال موضعي مؤقت" و"قتل جماعي عشوائي" مماثلة بفندقي "رادسون"ٌRadisson" ببامكو و"سبلانديد" "Splendid" بواغادوغو ولولا تدخل القوات الفرنسية والأمريكية الخاصة لكانت نتائج ذَيْنِكَ "الاحتلالين الموضعيين" أوسع مكانا وزمانا وأكثر دموية ودمارا وخرابا…!!
ومن دون شك أن ضربات تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي لعواصم ساحل العاج وبوركينافاسو ومالي تمثل صَفَافِيرَ وأجراس إنذار يجب على جميع دول الساحل والصحراء الإنصات والإصغاء جيدا لها وتحيين الاستراتجيات الوطنية والإقليمية لمحاربة القاعدة وأخواتها على ضوء الدروس المستخلصة من تلك الهجمات المتتابعة والمتماثلة.
وفي بلادنا فإنه يتعين حسب اعتقادي أن يتم تحيين وإعادة ترتيب أولويات الإستراتجية الوطنية لمحاربة الإرهاب أخذا في الاعتبار لظهور "دولة داعشية" على جزء من التراب الليبي وذيوع أخبار تفكيك خلايا "تجنيد داعشي" بدول شقيقة ومجاورة كانت تخطط لاستخدام بلادنا "منطقة عبور" أو "نقطة تجميع".
ضف إلى ذلك توسع منطقة استهداف و"خط نار" قاعدة المغرب الإسلامي وأخواتها إلى دول لم تكن من قبل ضمن دائرة الاستهداف كبوركينافاسو وساحل العاج. ويمكن أن يدور التحيين المرغوب للإستراتجية الوطنية لمحاربة الإرهاب حول المحاور الأربعة التالية:
أولا: ترفيع وتعزيز الجاهزية العسكرية والأمنية: من المجمع عليه وطنيا وإقليميا ودوليا أن السنوات الأخيرة عرفت نقلة نوعية (حقيقة وواقعا لا مجازا ودعاية) في مجال تكوين وتجهيز وتحفيز القوات المسلحة وقوات الأمن الوطنية خصوصا منها الأجهزة والتشكيلات المتخصصة في مكافحة الإرهاب.!!
وهو جهد جهيد حميد تجب مواصلته وتعزيزه مهما كلف ماليا في زمن "غَيْرِ اليُسْرَةِ المَالِيًةِ" ذلك أن الأمن في منطقة الساحل والصحراء اليوم هو أول المستعجلات والضروريات وغيره مقارنة به ضَرْبٌ من الكماليات والتحسينيات.!!
ثانيا: تطبيع المشهد السياسي الوطني: إذا كان النموذج الديمقراطي الوطني قد جلب والحمد لله حتى الآن الاستقرار السياسي والاجتماعي للبلد فإنه لم يستطع أن يوفر الحد المقبول من "الطمأنينة السياسية".
وتأسيسا على ذلك فإن جميع الفاعلين السياسيين من قطبي الموالاة والمعارضة مطالبون بالإسهام الكبير والتنازل المؤلم والتضحية الجسيمة من أجل تطبيع المشهد السياسي الوطني ذلك أن التجارب الإقليمية القريبة والتجارب الدولية علمتنا أن "ذئاب الإرهاب" إنما تأكل أو تعض الدول الأعنف تجاذبا ومِرَاءً وتنافرا وتباغضا سياسيا…!!
ثالثا: ترسيخ وتوسيع المرجعية الإسلامية للدولة الموريتانية: من المتواتر عليه أن أولى الخلايا الإرهابية التي تشكلت في بلادنا إنما حَرًضَها ابتعاد النظام الموريتاني ساعتئذ من الحاضنة والمرجعية الإسلامية.
كما أنه من الملاحظ أن ترسيخ النظام السياسي الحالي للمرجعية الإسلامية من خلال العديد من الإجراءات الملموسة والرمزية قد ساهم في سد الذرائع و سحب البساط و"جَزِ النبات من تحت أقدام" حَمَلَةِ خطاب الغلو والتطرف.
وعليه فإن توطيد وتوسيع المرجعية الإسلامية للدولة الموريتانية من خلال تنويع وزيادة الدعم العمومي المعنوي والمادي للعمل الإسلامي ينبغي أن يُفهم أنه أكثر محاور الوقاية من الإرهاب نجاعة ومردودية…
رابعا: تمتين التعاون الإقليمي والدولي: بما أن الإرهاب ظاهرة عابرة للحدود فإن جهود محاربتها يجب أن تكون عابرة للحدود ويستحسن سدا للذريعة أن ينحصر التعاون مع الدول الغربية والدول غير المسلمة في المجال الاستخباراتي وتبادل المعلومات ذلك أن التعاون العسكري العملياتي المباشر أو غير المباشر مع الدول غير المسلمة يتم تكييفه غالبا من طرف الحركات التكفيرية غزوا أجنبيا مُحرضا ومُوجبا للإرهاب.
أما التعاون العسكري الإسلامي والإقليمي (بين جيوش بعض الدول المسلمة) فهو أمر مطلوب وضروري ومستعجل خصوصا من خلال تشكيل وحدات عسكرية مشتركة عالية التكوين والتدريب والتجهيز والتشجيع المادي والمعنوي موجهة للتدخل السريع وصد الهجمات الإرهابية النوعية التي قد تفوق القدرات العسكرية لبعض الدول منفردة وللاستغناء أيضا عن اللجوء إلى الاستعانة بالقوات الخاصة للدول غير المسلمة في حالات الصدمات الإرهابية الشديدة.
تلكم بعض الملاحظات والمقترحات التي تراكمت في ذهني بعد "الصدمات الإرهابية" المتتابعة "ببامكو" و"واغادوغو" و"أديس ابابا" و"بن غردان" راجيا أن تتسلم المرجعيات والنخب الوطنية الفكرية والسياسية مضامين تلك "الصدمات – الرسائل" وأن تسارع إلى بناء إجماع سياسي وطني وَاقٍ وعَاصِمٍ من عدوى الفتن والتجاذب السياسي العنيف وعدم الاستقرار…