جدول المحتويات
ولئن كان إعلان موريتانيا عن استعدادها لاستضافة القمة المقبلة أنقذ ماء وجه المنظومة الرسمية العربية، إلا أن الاعتذار المغربي ما زالت أصداؤه القاسية ترن في أذن الجميع، فقد أظهر بوضوح لا يقبل الشك أن أحدا لم ينجح في "جامعة العرب" وأن عقودا من الخداع الرسمي كانت كتابة على الرمل، فجامعة العرب التي خلقت لتجمع القلوب والعقول، فشلت فشلا ذريعا إلى درجة أنه وبعد عقود سبع من إنشائها، يوشك العالم العربي أن يغرق في التجزئة أكثر، وأن تتداعى دوله بحدودها المعروفة.
يأتي الاعتذار المغربي عن احتضان القمة العربية في لحظة عربية طافحة بالتقهقر والردائة والتشظي، فالعالم العربي غارق حتى شحمتي أذنيه في المآسي والحروب، فمن سوريا المدمرة والمنكهة بفعل خمس سنوات من الدم والدمار، إلى العراق المثقل بالصراعات الطائفية والغارق في تداعيات ما بعد الاحتلال الأمريكي، إلى ليبيا التي لم تستطع أن تتعافى من أزمات ما بعد الثورة، والمهددة بالتدخل الخارجي المصاحب للاحتراب الأهلي، إلى مصر التي تعيش في حالة استقرار هش تغذيه مشاكل اقتصادية وسياسية كبيرة، ينضاف إلى تلك الدول المثقلة بمشاكلها أن الدول العربية الأخرى المستقرة نسبيا تصارع هي الأخرى لتقاوم ظروفا اقتصادية صعبة ومناخا سياسيا ملبدا بالغيوم التي تحيل إلى مستقبل قلق..
إن الجامعة العربية وهي تدخل عقدها الثامن عجوزا عقيما لا تلد سوى الخيبات والفشل، آن لها أن يعاد تفكيكها وأن يتم التفكير في صيغ جديدة تجعل من العمل العربي المشترك عملا ذا أهمية، بدل العيش في "الجلباب القديم" الذي اتضح أنه عقد المسائل بدل أن يحلها، وأعمى العيون بدل أن "يكحلها"، وعلى الجميع أن يدرك أن ما كان صالحا في أزمنة الديكتاتوريات والصوت الواحد والشعوب المغيبة، لم يعد صالحا الآن في هذه الحقبة التاريخية التي خرجت فيها الشعوب العربية من قمقم الطاعة العمياء وثارت على سنوات الجمر والقهر والرصاص، بحثا عن الحرية والعدالة والعيش الكريم.
إن العمل العربي المشترك سيظل قدره الفشل، ما لم يكن نابعا من إرادة الشعوب وعاكسا لرغبتها وطموحاتها، بعيدا عن الوصاية الرسمية التي أثبتت على مدى العقود الماضية أنها قصيرة النظر وأن ما يهمها هو كراسي الحكام وليس مصلحة الشعوب…