تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

لقد أوتي هيكل ملكة الكتابة الصحفية وتميزت عنده بأمرين محمودين هما السلاسة والوضوح من جهة الأسلوب، وحسن التصويب ودقة الإصابة من ناحية المضمون؛ بفضل غزارة و"حينية" المعلومات وترتيبها في مواضعها الدقيقة، واصطياد وثائقها.

 

المعلومات هنا ليست بالضرورة الضلوع في علوم اللغة والأدب والفلسفة والتاريخ… مع أنه لا يعاني الجهل بها قطعا، لكن تخصصه الأكبر وعلمه الواسع هو ما يمكن أن نطلق عليه "السياسة اليومية" بتفاصيلها المحلية العربية وتعقيداتها الدولية، وبأبعادها التحليلية وخفاياها الخبرية. لقد كان صاحب "ثقافة إخبارية" متميزة. وكان في هذا المجال، وفي أسلوب التعبير عنه، صحافيا كاملا وفريدا.

 

غير أنه ينبغي التفريق بين امتلاكه لقدرات الصحفي الكامل وبين استغلاله العملي لهذه القدرات. فإذا أردنا أن نتجاوز القدرات والكفاءة الصحفية عند هيكل إلى المبادئ الأخلاقية المفترضة في الصحافة، كالحياد والصدق والحرية الخ… فسيسقط الرجل هيكلا عظميا!

 

ولعل هذه السلبيات لم تكن إلا إيجابيات بالنسبة لعبد الناصر الذي اصطفاه لسانا ومصباحا خاصا له في فترة حكمه الذي زلزلته هزيمة 1967 الشنيعة.

 

لكن هيكل بقي مضاء في مكانه فتأبطه السادات فترة لم تطل، بسبب "غيرة" هيكل التي لا تسمح له بأن يـُزاحَم في برجه الصغير بالديوان الرئاسي!.

 

بعد حرب 1973 التي، يتنازع القادة المصريون جميعا ـ بمن فيهم عبد الناصر الميت ـ على شرف انتصاراتها الوهمية، غير السادات مسار السفينة وولى وجهه شطر الغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، ثم حث ركابه حتى ارتدت إلى مركز عدوه المحتل، إلى القدس المسلوبة فكانت زيارة إسرائيل الشهيرة ثم اتفاقيات كامب دافيد…الخ

 

يؤكد العارفون أن تلك الأحداث على ضخامتها ونقضها لعهد عبد الناصر، لم تكن سبب الجفاء بين هيكل والسادات، ولم تعجل "خريف الغضب" بينهما. بل كانت موجدة محمد حسنين هيكل الحقيقية على أنور السادات هي إطلاق بعض الحريات الديمقراطية وسماحه لمنافسين كبار للأستاذ هيكل، مثل أنيس منصور، والتوأمين: علي ومصطفى أمين في "أخبار اليوم"، بالدخول إلى دائرة الضوء والولوج إلى المكتب الرئاسي. بل يؤكدون أن هيكل بارك توجه السادات الجديد، وكان صاحب نظرية التبرير الحسابية الشهيرة: إن أمريكا تملك 99% من أوراق اللعبة في الشرق الأوسط!

 

لكن الحقيقة أن هيكل رجل له ثوابت في حياته المهنية وقناعاته الفكرية، منها ما هو شخصي محض، ومنها ما هو سياسي عام: فهو رجل لا يحب المنافسة ولا يقبل المشاركة في الواقع، وإن كان لا يهتم بالمظاهر والتكتيكات العامة؛ ولهذا السبب لم يقبل المناصب السياسية ولا الإدارية العامة، بل قيل إنه عارض تعيينه وزيرا للإعلام من قبل عبد الناصر واشترط أن يظل مكتبه الرسمي في مقر جريدة الأهرام التي ارتبطت به رغم تاريخها الطويل. كما أنه ـ مع ذلك ـ ذو طبيعة نرجسية وهوى ارستقراطي ينطوي على قدر هائل من التعالي الخفي. فحين دخل السجن في عهد السادات مثلا طالب بأن يكون له جناح فندقي وغذاء ملكي بعيدا عن نزلاء السجن! وكتب عدة مرات عن رداءة بعض أصناف البيض التي تقدم له في الفطور في السجن، الذي كان كثير من نزلائه يتعرضون للتعذيب!

 

أما مواقفه السياسية فهي أكثر وضوحا، حيث يكاد يفصح عن ضرورة قيام النظام الشمولي الفردي، بل تكاد آراؤه تؤيد أن يختار الحاكمُ الشعبَ ويحدد أزياءه ويقدر أقواته بدلا من أن يختار الشعبُ رئيسَه ونظامَ حكمه! ومضمون هذا "الانقلاب" على كل حال كان السمة الثابتة في آراء هيكل حتى الرمق الأخير من حياته!

 

كذلك من المعروف عن هيكل إيمانه ودفعه بنظرية المؤامرة، وهي نظرية، بغض النظر عن صدقيتها، يحسن توظيفها في التبرير، تبري أي شيء، وخاصة تسويغ حالات الفشل والعجز التي ترافق معظم الحكام المستبدين في البلاد العربية وفي مصر تحديدا.

 

لقد قرأت لهيكل كتابات ممتعة، بل ساحرة، ابتداء من "بصراحة عن عبد الناصر" ومرورا "بخريف الغضب" و"مدافع آيات الله" و"كلام في السياسة"… وانتهاء بجلسات قناة الجزيرة "مع هيكل". وطبعا لم أقرأ أكثر كتبه التي ناهزت عناوينها الأربعين، لكن لا خفاء في عيبة الرجل أصلا.

 

الأحدث