جدول المحتويات
يمكن تعريف الحوكمه الشرعية بأنها نظام مؤسساتي، الغرض منه فرض رقابة فعالة ومستقلة تضمن إلزام البنوك الإسلامية بالتعامل طبقا للشريعة الإسلامية تبعا لقواعد تطبعها المهنية وتمكن من الرقابة والمتابعة لسير وعمل هذه البنوك.
قبل الحديث عن نضام حوكمة شرعة للبنوك الإسلامية الموريتانية، يمكن التنويه إلى أن هناك ثلاث أنظمة متعارف عليها عالميا وهي باختصار:
نظام الحوكمة الشرعية الممركز: الدول المطبقة لهذا النظام لديها سلطة شرعية على مستوي البنك المركزي يرجع إليها في كل الأمور الشرعية المتعلقة بالمالية الاسلامية وتكون قراراتها ملزمة للمؤسسات المالية الإسلامية في تلك الدولة، وتختلف الدول في مدى الصلاحيات الموكل لهذه الهيئة، فهناك من يعطيها صلاحيات أكبر حتى تشمل إلى جانب القطاع البنكي قطاع التأمين الإسلامي وقطاع الأوراق المالية، تتبع هذا النهج على سبيل المثال إندونيسيا وباكستان بينما تحصر بعض الدول عمل هذه الهيئة على القطاع البنكي لوحده، من أجل تخصصية أكثر كماليزيا مثلا.
نظام الحوكمة الشرعية المنظمة لنفسها: وجود هذا النظام يقتضي عدم وجود هيئة على مستوي البنك المركزي للبت في الأمور الشرعية كما هو الحال في النظام الممركز، فكل مؤسسة تطابق الشريعة حسب ما تراه هيئتها الشرعية أو مستشارها الشرعي وتتبع هذا النهج السعودية وقطر والإمارات والكويت وبعض الدول ذات الأقلية المسلمة مثل سنغافورة والولايات المتحدة الأمريكية.
نظام الحوكمة الشرعية المختلط: تنفرد بهذاالنظام البحرين، فلديها هيئة شرعية ولكن عملها مقصورا على مراقبة وإعطاء المشورة للبنكي المركزي بدلا من إلزامية أحكام هذه هيئة للمؤسسات لمالية.
حسب الدارسين، لكل من الأنظمة المذكورة أعلاه إيجابياته وسلبياته والتي لا يتسع الحديث لذكرها. ولكن من المعروف أن كل دولة تتبع نظام حسب ظروفها وما تراه مناسبا لبيئتها. فالحديث عن مقترح لنظام حوكمة شرعية للمؤسسات الإسلامية بموريتانيا يجعلنا نأخذ في الحسبان اعتبارات منها، أن نظام الحوكمة المنظمة بنفسها أي غياب وجود هيئة عليا شرعية يرجع إليها في شرعية التعاملات البنكية يعرض هذه الصناعة الوليدة للخطر على المستوى البعيد، الشيء الذي بدأت تظهر بوادره من خلال بعض التشكيك في إسلامية هذه المؤسسات. إن النظام الممركز يبدو لي أكثر تناسبا مع الحالة الموريتانية وذلك للاعتبارات التالية:
طمأنة الجمهور من خلال تأسيس هيئة شرعية عليا على مستوى البنك المركزي موثوق بكفاءتها ومهنيتها تكون ضامنة لشرعية تعاملات البنوك الإسلامية من خلال إبداء رأيها في المسائل الشرعية وترفع لها التقارير من مستشاري البنوك الأولية.
إن حجم الصناعة الموجودة اليوم في موريتانيا بتعدد البنوك والتنافسية التي قد تنتج عن ذلك قد تقود البعض إلى تغليب الربحية على الشرعية وذلك من خلال إطلاق منتجات لا تراعي القواعد الشرعية المتبعة في الصناعة المالية في جو كهذا لا بد من وجود مراقب وضامن لشرعية هذه التعاملات.
إن تماثل وانسجام الآراء في هذه الصناعة الوليد ة من الأهمية بمكان حيث يقطع الباب على تعدد الآراء في المسألة الواحدة مما يحدث خلطا وارتباكا للجمهور خاصة وأن هذا التخوف له مبرراته في بلد كموريتانيا لديه ثقافة فقهية ولسد هذا الباب يجب أن تكون الحوكمة ممركزة من خلال هيئة عليا على مستوي البنك المركزي للبت في المسائل المالية.
قطع الطريق على ما بات يعرف اليوم في الصناعة المالية الإسلامية بـ"التسوق للفتوى" تتلخص فكرة هذه الظاهرة التي لوحظت في أماكن متعددة من العالم في كون المؤسسات المالية قد تقوم بالتسوق من أجل الفتوي التي تبيح لهم ما ينسجم مع رغباتهم وربحيتهم من دون مراعات المعايير الشرعية. موريتانيا ليست في مأمن من تصرفات كهذه مع عدم وجود رقابة عليا لتعاملات المالية الإسلامية.
وهناك عرض مختصر لفكرة نظام الحوكمة الشرعية المقترح لموريتانيا:
إن أنشاء هيئة عليا على مستوى البنك المركزي قد يبدأ باستصدار قرار أو مقرر من البنك المركزي بإنشاء هيئة شرعية توكل إليها مهمة ضمان انسجام التعاملات المالية مع الشريعة الإسلامية وتتكون على الأقل من ثلاثة علماء موثوق بهم من الجمهور، وإلى جانب العلم الشرعي لديهم معرفة بالتعاملات المالية البنكية حتى تكون أحكامهم نابعة عن تصور واضح للمسائل المطروحة عليهم. تتلقى هذه الهيئة أسئلة وتعطي إيضاحات للبنوك الأولية وترفع لها التقارير من مستشاري البنوك الأولية.
إلزامية كل بنك بأخذ مستشار يتمتع باستقلالية لإبداء رأيه في المعاملات والخدمات المقدمة كما هو ملزم برفع تقرير سنوي أو نصف سنوي للهيئة الشرعية على مستوى البنك المركزي.
إن نظاما كهذا لا يعتبر إضافة تكلفة على المؤسسات المالي الإسلامية بقدر ما يعطيها ثقة أكثر وجمهورا أكبر، ومن ثم الربحية التي تطمح لها من خلال التفاعل معها بالقدر المطلوب، إن ترك الحبل على الغارب للمؤسسات المالية لتنظم نفسها فيه ضرر على كل الصناعة المالية الإسلامية بموريتانيا فإذا كانت هناك مؤسسات جادة في حوكمتها الشرعية فقد تكون هناك أخرى غير جادة وتسئ لسمعة الصناعة برمتها، فلذا لا بد من التعجيل بخطوات للحفاظ على هذه الصناعة الوليدة وتوفير الجو المناسب لنمائها.