جدول المحتويات
بدأت الإرهاصات الأولى للبحث الزراعي سنة 1949، ببعثة رصد فرنسية، ليتم بعد ذلك إنشاء محطة بحوث كنكوصة سنة 1952، لتقوم بعد ذلك مراكز بحثية فرنسية وعلى رأسها معهد البحوث الزراعية للمناطق المدارية بتنفيذ برامج بحث على مدار عقد من الزمن.
في سنة 1970 تم إنشاء المحطة التجريبية في رينداو بكيهيدي، لتتكلل الجهود بإنشاء المركز الوطني للبحوث الزراعية والتنمية الزراعية سنة 1974، لتناط به مهمة إنجاز البحث الزراعي ونشر الابتكارات وإيجاد الحلول الناجعة للمنتجين الوطنيين.
عاني المركز الوطني للبحوث الزراعية والتنمية الزراعية من اختلالات هيكلية ومؤسساتية تعود أساسا إلى:
غياب إستراتجية وطنية للبحث العلمي؛
عدم ملائمة الإطار القانوني؛
غياب وصاية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي فوزارة الزراعة وحدها لن تستطيع تدبير مؤسسة بحثية؛
عدم تناسق ميزانية البحث الزراعي مع مساهمة القطاع في الناتج الوطني الداخلي؛
عدم اقتناع صناع القرار بجدوائية البحث الزراعي والتعامل مع منظومة البحث بمقاربة "الرموز السيادية" فمجرد وجود مؤسسة تحمل اسم البحث الزراعي أمر يفي بالغرض.
واقع البحث الزراعي اليوم
يملك المركز اليوم ثلاثة مخابر و10 محطات تجريبية في غورغول والعصابة والترارزة وانواكشوط، كما يزاول العمل فيه 114 موظفا، يقول المركز إن 17 منهم ما بين فني وباحث.
لا تعكس هذه الأرقام للأسف الشديد حقيقة واقع المركز، فالمخابر لا تعمل لنقص التجيهزات، فميزانية المركز أغلبها يذهب لخدمة أجور العمال، وغرف التبريد الضرورية لحفظ البذور حرارتها هي حرارة كيهيدي، والمحطات التجريبية مجرد عناوين ولافتات باستثناء محطة رينداو، والتي تضم أساسا أشجار مانغو، تعود زراعتها لفترة السبعينات، وهي منتجع اليوم لظلالها الوافرة أكثر من كونها محطة بحث.
أما الطاقم البشري فاغلبه لا يملك مؤهلات بسبب فوضي الاكتتاب، لكن الأمر الصادم هو عدم وجود باحث واحد بمستوى دكتور، بينما يقتصر طاقم البحث على ثلاثة مهندسين، أما بقية الطاقم فمشكل من الفنيين الباحثين!، كما أن المركز يفتقد إلى متخصص في المعالجات الإحصائية الشرط الضروري لأي عمل بحثي.
يعكس غياب أسماء محلية لأصناف البذور المزروعة اليوم ضعف أداء المركز فكل الأصناف المزروعة أجنبية: Sahel ، وكريم، ومصر 1، وسقا، Blonde de Paris Violet de galmi، Désiré الخ.
إن عجز المركز عن إدارة برامج بحث حقيقية دفعه للقيام بادوار لا تمت للبحث بصلة، كتأطير حملة الشهادات في روصو، والإشراف على إنجاز مزرعة زراعة البطاطا في كنكوصة والتي لم تنتج حتى كمية بذار البطاطا التي استوردت لها.
يقتصر دور المركز اليوم على حمل راية شعار البحث الزراعي، دون أن يملك أية مؤهلات تمكنه من القيام بدوره، حيث يكتفي المركز بلعب دور ضابط الاتصال مع المؤسسات البحثية الإقليمية والدولية.
إن بصمة المركز غائبة تماما، لذلك فكل الحلول المطروحة اليوم لمشاكل المزارعين تعالج بحلول أجنبية، قد لا تتوافق مع السياق الوطني، مما يفقدها فعاليتها، فقد تكون العوائق ثقافية أو اقتصادية، فما ينجح في مصر أو فرنسا أو السنغال، قد لا يتقبل في بلادنا وهنا تظهر أهمية البحث الزراعي الوطني.
يفسر ضعف وهشاشة مركز البحوث الزراعية تعثر مسيرة التنمية الزراعية في بلادنا، فغياب البحث ينعكس على أداء منظومتي التكوين والإرشاد، وبالتالي لا يجد المزارع حلولا لمشاكله ولا مبتكرات تحسن من أدائه فيظل حبيس معارفه وتجاربه الذاتية.
لن تلفح السياسات الوطنية المتبعة لتطوير قطاع الزراعة، دون الاهتمام بالبحث الزراعي، وإعطائه المكانة التي يستحق، وقد حان الوقت للاستفادة من الدروس والعبر وما أكثرها في مجال قطاع الزراعة الوطني.