جدول المحتويات
من هنا كانت المنهجية الإسلامية تقول للعالم صحح نيتك أولاً، والتزم بالمنهج الرباني ثانياً، وَعُد على نفسك باللوم عند الخطأ أو التقصير وعند ظهور مشكلات أو معوقات أو أضرار ناجمة عن تعليمك أو دعوتك أو فتواك، واقتد في ذلك بالسلف الصالح عندما يرددون قوله تعالى لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم: {قل هو من عند أنفسكم} {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}.
ولا يؤجل العالم اعترافه بالخطأ والمبادرة إلى معالجته إلى أن يلقى في النار مع أولئك الذين تُسَعرُ بهم النار لسوء نياتهم، ومراءاتهم للناس في الجهاد، وقراءة القرآن، والإنفاق، فيكذبون على الله تعالى في ذلك الموطن بادعائهم إرادة وجه الله تعالى فيكذبهم الله حيث لا مصدق لهم ولا منافق يتزلف لهم بالشهادة الكاذبة…
ولا يجوز في حق العالم أن يخالف قولُه فعلَه حتى يكون من ذلك الصنف الذين فضحهم الله تعالى حيث تندلق أقتابهم في النار فيجتمع عليه أهل النار مستغربين من وجوده بينهم فيقول معتذرا والعياذ بالله تعالى عذرا أقبح من الذنب: (بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) الحديث.
فلقوة أثر الانحراف في النية والمنهج والأسلوب على العلم والدعوة قيل: (زلة العالم زلة العالم).
وأقرب الناس من المعصوم صلى الله عليه وسلم نساؤه وقد قال الله تعالى لهن في موقف معين يعمم على كل من يقتدى به: {لستن كأحد من النساء}.
وكان عمر رضي الله عنه إذا أراد أن يأمر بأمر بدأ بأهله فأمرهم به وتوعدهم إن خالفوا ذلك الأمر أن يجعلهم عظة وعبرة.
ويخاطب رضي الله عنه الصحابة رضوان الله عليهم قائلا: (إنكم القوم يقتدى بكم) يعني لا تخالفوا ما أمركم الله به في الاعتقادات والمعاملات والسلوكيات… وإنما ذلك لأنهم قدوة ولقوة أثر أي انحراف منهم، وعندما غاب عن بعض العلماء ذلك المنهج وترخصوا في ارتكاب بعض التجاوزات عُيروا بذلك من المجتمع، وتضرر العلم والعلماء والدعاة بمسلكهم ذلك… ولما تراكمت تلك الأخطاء صارت عبئا على الإسلام والمسلمين واستعصى علاجها فاستن بها آخرون متذرعين بأن من سبقهم حصل فيهم ذلك.
ويعظم أثر زلة العالم والداعية في هذه الأزمان لارتباط ذلك بأمور السياسة وانجراف بعض الممارسين للعلم والدعوة في موجة العصر الحديث كالدخول في التحالفات السياسية أو تكوين الأحزاب الدينية على غرار الأحزاب السياسية الأخرى فيدفعهم المنهج السياسي إلى كثير من التجاوزات والمماحكات السياسية والانجرار وراء طلب المؤيدين والمتحالفين ومراعاة أطماع المخالفين والمعارضين بل يصل الأمر إلى الانصياع إلى إملاءات الكفار والمنافقين… ويتفاقم الأمر ويعظم الانحراف ويحضر الشح والتعصب لدى النفوس وتتولد عن ذلك مشاكل كثيرة تبعد أهل الميدان عن مداخل المراجعة والتصحيح ويتخذ الأعداء في الداخل والخارج من ذلك سلاحا رادعا وهجوما كاسحا على الدين وأهله والعلماء والدعاة أينما كانوا.