تخطى الى المحتوى

الأمن.. والسياسة.. والثقة.. والاعتراف

جدول المحتويات

 

فلم تسلم دول عتيدة وقوية تمتلك من القدرات والإمكانات ما يجعلها قادرة على رفع التحديات التي هددتها لكنها فشلت أو تم إفشالها بفعل أسباب كثيرة منها ما هو معلوم ومنها ما هو مجهول وإن كان أبسطها الرتابة والتثاقل وعدم الاستقراء الجيد لتفاعلات الواقع وما قد يترتب على ذلك من متغيرات قد تتهيأ ظروف التعبير عنها بفعل تراكم داخلي وآخر خارجي، والسبيل الوحيد للوقوف أمام كلِّ ذلك هو حضور الهمة الدافعة والوعي بأهمية الخطوات الاستباقية المدروسة والقائمة على منطق ألاّ غالب ولا مغلوب.

 

لقد تحولت هذه الدول من دول لها حظوة ومكانة وتعيش وضعا أمنيا واقتصاديا واجتماعيا مريحا إلى دول فاشلة تحكمها العصابات والمليشيات وجمع من القوى المتطرفة والمافوية مما فتح الباب لنهب ثرواتها وانتشار الفساد الفاحش في مفاصلها وأصبحت الكلمة الفصل فيها لمن يمتلك قوة مدججة على الأرض ولم يعد للدولة من مفهوم ولا دور كناظم مركزي وقد جرى كل ذلك تحت شعار الثورة والتغيير والحرية..

 

إن حالة الهرج والمرج التي تعيشها دول وأقاليم قريبة وبعيدة منا؛ أسبابها متعددة ومتباينة، منها ما هو سياسي ومنها ما هو اجتماعي واقتصادي ومنها ما هو أمنى ومنها ما هو مرتبط بنمط تكوينة المجتمع وتركبته ومنها ما يعود لغياب التواصل بين القوى الوطنية المشكلة للمشهد الجمعي حاكمة كانت أو معارضة ومن ذلك أيضا القطيعة ما بين انتلجنسيا المجتمع وصناع الرأي والقرار فيه.

 

إننا جميعا وبدون استثناء مطالبون بالمساهمة في رفع التحديات عن بلادنا ومطالبون أكثر من ذلك بتأسيس إجماع وطني يساهم في تعزيز لحمتنا ويقوى من أركان دولتنا ويؤمننا من تأثير الاهتزازات الأمنية في العالم من حولنا ومن أطماع الدول غير المعلنة ولا المحدودة والتي أتاح لها عصر الفوضى أن تتبلور أكثر من أي وقت مضى، إنه لم يعد هناك مسوغ لمنطق التمادي والتبرير والاستغفال والتحامل المتفشي في طبقتنا السياسية بل أصبح لزاما عليها أن تتجاوز إشكالاتها فيما بينها وأن تبذل جهدا استثنائيا للدخول في مرحلة جديدة تعيد للممارسة السياسية صدقيتها وألقها وجاذبيتها لأن البديل عن السياسة هو الفراغ والفراغ هو أخطر البدائل التي تخلق الأرضية لكلِّ ما من شأنه أن يهدد الأمن والاستقرار.

 

 

إن كثافة وتنوع وسرعة التحولات التي تقع هنا وهناك تستدعى يقظة وتفاعلا إيجابيا ومواكبا من هرم السلطة أولا، مرورا بكل المستويات والمكونات الأخرى المشكلة للدولة سياسيا وفكريا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وأمنيا لأجل التعجيل بوضع خارطة مجمع عليها ووضع قواعد صلبة للعمل المشترك والابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة الصراع والعنف ونشر خطاب الكراهية، مما يتطلب تحقيق ضمانات كثيرة في مقدمتها العدالة من خلال إخضاع كل مواطني الدولة للقانون وتطبيق معايير الحكم الرشيد والمساءلة الموضوعية وزرع الثقة المتبادلة بين قوى المجتمع والاعتراف بما تم إنجازه من مشاريع هامة للنظام الحاكم وفى أكثر من مجال وتثمينها وعدم التنكر لها بفعل قوة الشحن السياسي الذي يكون على حساب الموضوعية ومن أهمها بالنسبة إلى إصلاح الحالة المدنية وحرمة المال العام وبناء مؤسسات عسكرية قادرة على رفع التحديات وتشييد بنى تحتية ضرورية كمطار أم التونسي الدولي ووضع حد لبعض القضايا الحقوقية. إن عدم الاعتراف بقيام بعض الإصلاحات الهامة للنظام القائم فيه غبن وحيف وتجاف للحقيقة لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه قد أنجز كل شيء بل لا زالت هناك نواقص من المهم الإشارة إليها كلما دعت الضرورة.

 

إن العالم أصبح يدار من حولنا بمنطق الجماعة والشراكة وأصبح الحضور والـتأثير فيه يقاس بمنطق القدرة على تسيير الدول من دون احتكار لا للسلطة ولا للثروة لكنه قد جعل المعايير الديمقراطية هي الحكم والفيصل، واستمرار الصراع القائم بين نخبنا السياسية يعد عائقا كبيرا أمام بروز أي مشروع إصلاحي ولا يساعد في رفع التحديات التي تواجه أية عملية إصلاحية يراد القيام بها.. إنها نقطة ضعف سياسية كبيرة نتيجتها. استمرار الضغط والإلغاء والاستقواء…

 


 

الأحدث