جدول المحتويات
تعود أسباب الأزمة إلى عدة معطيات اقتصادية ومالية في مقدمتها تراجع اسعار النفط عالميا، مع العلم أنه العمود الفقري للاقتصاد الأنكولي إذ يساهم بحوالي 89% من الناتج المحلي ويخول أن أنكولا بذلك أن تحتل ثانى أكبر منتج للنفط في إفريقيا بعد نيجيريا وقبل الجزائر بقدرة إنتاجية تجاوزت حاجز المليوني برميل يوميا.
هذه القدرة الإنتاجية الكبيرة ساعدت أنكولا على تحقيق قفزة نوعية في المجال التنموي فقد تجاوزت نسبة النمو فيها حاجز 13% وهو رقم كبير في اقتصادات الدول النامية، فكانت العشرية الأخيرة مزدهرة على جميع المستويات، سواء تعلق الأمر بالبنى التحتية أو المشاريع الإستثمارية والشراكة المبرمة مع عدة دول عظمى بالإضافة إلى تشجيع الاستثمار في القطاع الخاص.
لكننا بالعودة إلى المؤشرات الاقتصادية قد نفهم أكثر كيف انهار كل شيء فجأة ودون سابق انذار؟
خلال السنوات الخمس الأخيرة، شهدت أسعار النفط صعودا صاروخيا تراوح في العامين الأولين من 70 إلى 100 دولار للبرميل بنيما وصل ذالك الصعود ذروته في آخر ثلاثة أعوام حيث تجاوز حاجز 120 دولارا، قبل أن يبدأ في التراجع ابتداء من الربع الأخير من العام قبل المنصرم، ليشكل العام 2015 ما تعتقد الدول المنتجة للنفط أنه الكارثة حيث بدأ العام بـ70 دولارا للبرميل ليصل مع نهايته إلى أقل من أربعين دولارا، لكن ما خفي كان أعظم، حيث من المتوقع بل من الحتمى حسب الخبراء أن يصل سعر البرميل إلى أقل من عشرين دولار قبل منتصف العام الحالي.
ولكن لماذا تراجعت أسعار النفط إلي هذا الحد؟
الإجابة على هذا السؤال تقودنا إلى تأمل التغيرات الجيوسياسية في العالم وخاصة منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي حيث يوجد أكبر احتياط عالمي من الذهب الأسود.
وسنختصر الإجابة على هذا السؤال في ثلاثة عوامل أساسية دون الخوض في التفاصيل:
العامل الأول: ظهور الدولة الإسلامية في العراق والشام وسيطرتها على معظم الآبار النفطية خاصة في العراق وبيعها للنفط عبر السوق السوداء دون الرجوع إلى منظمة الأوبك غير مكترثة بالأسعار العالمية لحاجتها الملحة للمال والسلاح.
العامل الثانى: النفط الصخري الذي أنتجته الولايات المتحدة وبدأت تصدير أول شحنة منه إلى أوربا مطلع الشهر المنصرم، وهو بالمناسبة يشبه إلى حد كبير نفط الدول الإفريقية خاصة (نيجيريا، آنكولا، الجزائر) من حيث الجودة والخفة.
العامل الثالث: الإتفاق النووي بين إيران ودول الغرب والذي بموجبه سيتم رفع الحصار عن إيران وستغرق السوق العالمية بأكثر من ستة مليارات برميل من النفط عالى الجودة كانت قد جمعتها خلال سنوات الحصار، وهذه الكمية الموجودة لدى إيران والتى تعادل إنتاج أكبر منتج للنفط في العالم (السعودية بعشرة ملايين برميل يوميا) لمدة أكثر من سنة ونصف، ستكون كافية حتما ليصل سعر البرميل أقل من عشرين دولارا.
وبالرغم من كل هذه المعطيات والتي تكشف أن أنكولا ليست وحيدة في أزمتها إلا أن الفرق قد يكمن في التسيير، ورغم العجز الملاحظ في الموازنة العامة للعام الجاري والتى كُشف عنها خلال مصادقة البرمان عليها فإنها وصلت 6 تلرليون و400 مليون كوينزا (العملة المحلية).
قد يبدو الرقم كبيرا ومطمئنا إلى حد ما، لكن الخطوات التي أعقبت الإعلان عن الميزانية لا تبدو مبشرة بالمرة، إذ افتتحت السلطات العام الجديد بزيادة 45% على أسعار المحروقات، تزامن معها إعلان البنك المركزي الأنكولي عن تراجع العملة المحلية مقابل العمولات الصعبة وذلك عند ما أعلن صرف لكونزا بـ162 بتراجع وصل 14 كونزا للدولار الواحد.
ولكي نصل إلى ما يهمنا من كل هذا كمهاجرين ومقيمين في هذا البلد الإفريقى فإن كل هذه المعطيات السابقة أثرت وستؤثر على حياة الموريتانى العامل هنا وسيمتد ذلك التأثير بطبيعة الحال ليلقى بظلاله على الوطن.
فقد تراجعت الرواتب هنا واقعيا بأكثر من 250% رغم أنها ظلت على حالها رمزيا، فمن كان يتقاضى (1000 دولار) مثلا والتى كانت في السابق تساوي (100,000 اكونزا) أصبح يتقاضى أقل من 300 دولار رغم أنه عمليا لا زال يتقاضى نفس المبلغ من العملة المحلية.
أما أصحاب رؤوس الأموال والذين لديهم أرصدة من العملة المحلية في البنوك فقد كانوا المتضرر الأكبر إذ فقدوا أكثر من ثلثي ثروتهم بفعل تراجع العملة المحلية.
وعندما نصل إلى تحويل الأموال أو صرفها إلى عملات أخرى تكون الصورة أكثر وضوحا وإيلاما فخلال 18 عشر شهرا الأخيرة تراجعت أسعار الصرف من 280,000 أوقية مقابل كل 100,000 كونزا إلي 80,000 أوقية أي بفارق 200,000 أوقية وهو ما يعنى تراجعا فاق 340%.
هذا فضلا عن صعوبة تحويل الأموال مع قرار الحكومة بغلق جميع طرق التحويل المعروفة ومنع صرف العملات الصعبة أو توفيرها، لتبقى السوق السوداء الملاذ الوحيد لمن تجبرهم حالات الضرورة إلى اقتناء العملات الصعبة هنا وبأسعار انتهازية وصلت ثلاثة أضعاف سعرها لدى البنك المركزي.
لست هنا بصدد تحميل الحكومة أو السلطات الموريتانية أية مسؤولية كما هي عادتى عندما أكتب عن وضعية الجالية في أنكولا، لكنني أحاول فقط أن أنير الرأي العام الوطنى حول بعض القضايا وأبين للحكومة مساهمة الجالية هنا في دوران عجلة الإقتصاد الوطنى، وهو دور طال ما جهلته الحكومة الموريتانية أو تجاهلته بتعبير أصح.
دور الجالية في أنكولا جلي للجميع عندما يتعلق الأمر بآلاف الأسر الموريتانية التى تعيش على أفراد هذه الجالية فضلا عن الأموال المحولة من العملات الصعبة التي تضخها هذه الجالية في السوق الموريتانى بشكل يومي، لكن أزمة الصرف والتحويل التى تعيشها الجالية هنا كشفت النقاب عن جانب آخر من أدوار الجالية في دوران عجلة الاقتصاد الوطني، إذ كانت الجالية تقوم بتحويل الأموال إلى إحدى الأسواق العالمية كـ"دبي" أو " الصين" أو غيرهما وعندما تصل الأموال إلى هذه البلدان يكون التاجر أو المستورد الموريتانى يبحث عن تحويل الأوقية إلى هذه البلدان من أجل استيراد البضائع، فتتم عملية التبادل ما يعنى بالمحصلة أن الأسواق الموريتانية كانت تستورد البضائع مع احتفاظها بالسيولة الموجودة دون الحاجة إلى تحويل أموال للخارج والدخول في مغامرة تضارب العملات، وهو رافد اقتصادي مهم ومنعش للسوق الموريتانى إذ يمكن تفسيره عمليا أنك تستورد بضائع دون مقابل.
لا أقصد التعميم عندما أتحدث عن البضائع المستوردة وعن عملية التبادل في الخارج واحتفاظ السوق الموريتانية بسيولتها مع الحصول على البضائع لكن هذا ما كان يحدث في جزء كبير من البضائع المستورة.
كان الله في عون الجالية الموريتانية في أنكولا، وألهمها الصواب وفرج ما بها من هم حتى تعود إلي سابق عهدها لتعلب أدوارها التنموية كاملة بدءا بتحسن الظروف المعيشية لآلاف الأسر مرورا بالمساهمة في الأعمال الخيرية وانتهاء بإنعاش الاقتصاد الوطني.