جدول المحتويات
الإنسان في وطننا هو مكمن الخلل والتحدي الأبرز رغم امتلاكه موهبة فائقة في معرفة الأشياء إلا أنه يستغلها في الغالب في التحايل والكذب، فأمتنا ألفت هذا السلوك وألفها.
لا نتحدث هنا عن كذب الإنسان الموريتاني في السياسة أو الإدارة أو التجارة، قد يكون هذا هو أصل الكذب ومدرسته الأولي، لكن النسخة الأحدث من فصول الكذب في وطني الكذب في الزراعة، رغم كونها عملا ميدانيا وفنيا لا يحتمل التسييس فقد قمنا بترويضها لتناسب خصوصيتنا.
ويشكل هذا النوع من الكذب أخطر وأكبر عوائق التنمية الوطنية، فالحقيقة مصدر دائم للتنمية، أما الكذب فمصدر أكيد للتخلف والفقر والجهل، ومع ذالك يحتفظ شعبنا العظيم في أغلبه بالكذب ويعيشه رغم حفظه للقران والتزامه بالصوم والحج والصلاة في المساجد.
ما أغرب أمة أحفاد المرابطين…؟
الكذب في الزراعة كلف الدولة غير النامية عشرات المليارات وعشرات السنين الضائعة "شطب المديونية المثير للجدل والمقدرة بـ13مليار أوقية على من تضرر ومن لم يتضرر من يقدر علي التسديد ومن لا يستطيع، إنفاق المليارات على مصانع تقشير الأرز لتحسين جودتها ولم تتحسن تلك المصانع بل استمرت في التحايل رغم وجود لجان متابعة تشكل الإدارة جزء منها، تقدم هذه المصانع الإنتاج كما تشاء وتعلن الإدارة تقاريرها كما تهوى.
وفي معرض الأرز احتفالا بزيارة الرئيس تقدم للرئيس عينات ذات جودة نوعية مصطنعة لتضليله تناقض الواقع السيئ للمنتج، ويتم تحضير هذ المعرض بالتعاون بين الإدارة وملاك المصانع وبتزكية المزارعين.
ثم يتم تسويق المنتج السنغالي على أنه منتج وطني، ترخيص مئات التعاونيات الوهمية للتحايل على مجانية الأسمدة الموجهة للتعاونيات القروية الفقيرة، منح التراخيص العبثية لمؤسسات البذور المتحايلة، الاستصلاح الزراعي غير الفني، خصخصة الآليات الزراعية لتغطية االفساد في "اسنات"، إذا الفساد والتحايل سلوك مشترك بين الإدارة والمزارع على حد سواء".
والأخطر من كل ذالك تنشئة الأجيال على ثقافة أساسها التحايل، ليختلط الحابل بالنابل، والغث بالسمين، والملتزم الصادق باللص المتحايل، والكادح المثابر بالمقصر المتلاعب، والخاسر بالرابح، والجد بالهزل، هذ الخلط متعمد لطمس الأشياء وقلب الحقائق ليزداد المتشكك شكا والمتردد ترددا.
والأهم في كل هذا النيل من عزيمة الوطني المؤمن بالعمل والتضحية في سبيل العيش الكريم، ليزداد هو الأخر إحباطا ويأسا وتمردا وليظل المناخ ملائما ليستمر الفساد ويسيطر الكذب في مراكز صنع القرار وطبقة المزارعين الموالية، هذه هي وسيلة حفظ المناصب ونيل الترقية وإن كلف ذلك تعطيل التنمية وإبعاد الحقيقة فالحقيقة ليست ضالتنا وتلك مأساتنا.
كيف لنا إذا أن لا نتجرأ على الجهر بمساوئنا وماذا ننتظر…؟
تعالوا بنا لنحفر ونفتش في تجربتنا بعدها يمكننا أن نكتشف ونفهم الواقع، وتذكروا دائما أن التحايل يحكم قبضته الفتاكة على المجتمع مسؤولين ومزارعين عادين وسبب قوة الكذب فينا أنه ثقافة معاشة ومحمية علي المستويين الشعبي والرسمي.
كيف تبدأ المشاريع الوطنية…؟
تبدأ الأجسام عامة والمشاريع خاصة في سنن الحياة العادية صغيرة بفكرة، ثم تتجسد بشكل أصغر على الأرض ثم تبدأ تنمو وتكبر شيئا فشيئا ليكتمل نموها وتحقق الأهداف المنشودة، فمؤشر النجاح المألوف أن تبدأ الأشياء متواضعة ثم تكبر، لا أن تبدأ كبيرة مكتملة ثم تنهار بسرعة فهذ مؤشر الفشل، وهذ بالضبط ما حدث مع القطاع الزراعي، بدأنا بالإعلام السياسي، كانت أحلامنا كبيرة وواعدة، نتحدث عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأرز لنكتشف لاحقا أننا كنا في أحلام اليقظة.
كانت البداية بمشروع دمج حملة الشهادات، ظهر كبيرا في الإعلام وخطب المسؤولين. وتلك عادتنا دائما: الإشادة والثناء قبل تحقيق الإنجاز وبلوغ الأهداف.
تحدث الرئيس عن أرباح بالملاين، ولم يتطرقوا لحالات الخسارة المتكررة، قال وزير الاقتصاد: أن الناس لم تعد ترغب في الوظيفة العمومية وأصبحت تريد بدل الوظيفة الدمج في الزراعة، وبعد أقل من سنة بدا البعض يتسرب من المشروع فلم يستلم هؤلاء الأراضي المستصلحة كما وعدوا.
والحقيقة أن المشروع لم يحافظ على النسبة الناجحة والمشجعة التي بدأ بها، كانت السنة الأولى أفضل من الموالية والموالية أكثر سوءا وهكذا مشكلا حالة هبوط.
لم يستوعب المشروع ولم يستغل الطاقات الهائلة لـ185 مستفيدا تحتوي كافة التخصصات: (30% مهندسين زراعيين، فيما تتوزع 70% المتبقية بين مختلف المجالات: الاقتصاد، القانون، المياه، الجغرافيا، الرياضيات، الشريعة…).
لم توجد إدارة ذات صلاحيات حقيقة لمعالجة مشاكل هؤلاء المتجددة وإيجاد الحلول لها، ولم تتح لهم فرصة التشاور لتقييم التجربة رغم مطالبهم الملحة بضرورة تنظيم أيام تشاوريه حول الزراعة.
لقد ظل دور الإدارة يرتكز على تقديم الأرقام المشبوهة وقمع الأصوات المنتقدة، وما كان لكل ذلك أن يقع لولا تواطؤ من بعض المستفيدين في مقايضة مكشوفة عنونها التحايل وإن اختلفت ملامحه في الطرفين، ليتوقف المشروع في النهاية بعد أن هجره الثلث بسبب الأعشاب الضارة و لتلتحق بهم البقية، فلا تأمين زراعي يحمي المدينين المتضررين من الكوارث، توقف المشروع كما كان متوقعا وأصبحت عشرات العائلات في مهب الريح.
لقد وضعنا نقطة النهاية على مشروع أمتنا المحتاجة، أمتنا الفقيرة والجائعة، وأصبح العيش الكريم شبه مستحيل في سهولنا الخصبة المتدفقة والممتدة من كرمسين إلى سيلبابي،
لا بديل أمام مئات الشباب غير الهجرة المرة والعيش المذل عمالا غير مرحب بهم في المزارع الأجنبية بعد أن ضاقت بهم أرضهم المستغلة بأقل من 15%، وقذفت بهم حكومتهم الغارقة في نزوات السلطة نحو المجهول، فأمة لا تقدر طاقاتها الشابة ولا تخطط لاحتضانها ستنزف باستمرار، لا مستقبل لها وليست جديرة بالبقاء في عالم السرعة والعمل، قدرنا أن نظل منهوبين بفساد أبنائنا وتائهين بتسيير قادتنا لتبقي مواردنا فريسة للانتهازيين وإلى أن يستفيق المصلحون وهم قلة من سباتهم العميق أو يقضي الله أمرا كان مفعولا.
اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكننا نسألك اللطف فيه.