جدول المحتويات
وينشط حضور هؤلاء الخبراء الأجانب أساسا بقطاعات المالية والشؤون الاقتصادية والتنمية والنفط والمعادن والداخلية واللامركزية والصيد والدفاع… ولا يجد بعض المسؤولين الأُوًلِ عن تلك القطاعات الوزارية حَرَجًا في إسناد كامل ملف التخطيط الاستراتجي والدراسات والبرمجة للخبراء الأجانب!! ومنهم من يلجأ في سبيل ذلك إلى التمويه عبر استخدام مصطلحات "الدعم الفني" و"العون التقني" و"الاستشارة المُتَخَصِصَةِ"…
كما أن الغالبية الغالبة من مشاريع التطوير المؤسسي والتنمية القاعدية الممولة من طرف شركاء التنمية في شكل "قُرُوضٍ حَسَنَةٍ أو غَيْرِ حَسَنَةٍ" موثقة على الأجيال الحاضرة والقادمة تعتمد تفكيرا وصياغة ومتابعة وتقييما بشكل معتبر على الأدمغة الأجنبية إما بشكل مباشر من خلال خبراء مُقِيمِينَ أو بشكل غير مباشر عبر "خبراء زَائِرِينَ" أو بالإفراط في الاستعانة بهما معا ويَسْتَنْزِفُ الفريقان في المتوسط ثُلُثَ الغلاف المالي الإجمالي للمشروع أو البرنامج التنموي.!!
والأدهي والأمر من كل ذلك هو أن عقل التخطيط وإعداد السياسات العامة والعقل الاقتصادي والمالي خصوصا عندنا موجود في "رَاحَةٍ قَسْرِيًةٍ إِلَى إِشْعَارٍ جَدِيدٍ" منذ بداية التعاقد مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي سنة 1985 حيث فُرِضَ على بلادنا اتِبَاعُ "وَصَفَاتٍ" و"حِمْيَاتٍ" تنموية واقتصادية ومالية ونقدية صالحة لكل مكان من دول العالم الثالث أقل ما يقال عنها أنها لا تراعي ترتيب المستعجلات التنموية ببلادنا!!.
وهكذا خضعت بلادنا منذ بداية التعاقد مع مؤسسات النقد الدولي حتى الآن إلى سياسات تنموية وإصلاحات مؤسسية واقتصادية ومالية مُصَنًعَةٍ "100% بالخارج" وعلى "مقاس عَالَمْ ثَالِثِي مُوَحًدٍ" REFORMES TAILLE UNIQUE مثل برامج الدعم و الدفع (PCR) والتقويم الاقتصادي والمالي (PREF) وطَبَقَاتِ الإصلاح الهيكلي (PAS) وطَبَعَاتِ الإطار الاستراتجي لمكافحة الفقر (CSLP) وتستعد بلادنا الآن لتطبيق الجيل الجديد من "المقاربات التنموية ذات المقاس الواحد" المتمثل في الإستراتجية الوطنية للنمو السريع والمتقاسم (SCRP).
ويعتقد الكثير من المتابعين والحادبين على الشأن التنموي الوطني أن ثلاثين سنة )1985 – 2015( من الالتزام والتقيد الصارم بحِمْيَاتِ مؤسسات النقد الدولي السابقة لم توفق في تحقيق تحسن "صحة" القطاعات الاقتصادية والمالية للبلاد وساهمت في استفحال "أوجاع" القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وإطفاء المظالم الاجتماعية المتوارثة وتوفير الماء الشروب والبني التحتية للنقل…!!
وعديدة هي الدول التي فطنت إلى الفشل المَقْدُورِ"للمقاربات التنموية ذات المقاس الواحد" و"المُصَنًعَةِ خارج الحدود" واختارت التفاوض مع شركاء التنمية حول نماذج تنموية ذاتية "مصنعة محليا" تنطلق من الخصوصيات الوطنية و لا تجد غضاضة في الاقتباس و"الاختلاس"من التجارب التنموية الناجحة شعارها الرئيس "أن لا مستقبل لبلد يفكر من وراء الحدود" فحققت نجاحات تنموية صاعدة كالبرازيل وتركيا وغانا والجزائر…
وأملي عريض في أن توفق الحكومة الموريتانية عبر الكفاءات الوطنية المُبَرًزَةِ ذات العلاقة بالملف التنموي حاليا من تعديل نسخة "المقاس الواحد" من الجيل الجديد من المقاربات التنموية المتمثل في الاستراتجية الوطنية لتحقيق النمو السريع والمتقاسم تعديلا جوهريا يضع في الحسبان أن أية مقاربة "مَاكْرُوتَنْمَوِيًةٍ" لهذه المرحلة الحساسة من تاريخ البلد لا تبدأ بمعالجة مِلَفًيْ إطفاء المظالم الاجتماعية المتوارثة وإصلاح التعليم فَقَدَرُهَا المَقْدُورُ هو الفشل السريع والذريع.!!!