تخطى الى المحتوى

سكر موريتانيا بين إعادة تثمين السد وتكرار الخيبة

جدول المحتويات

 

أهمية اختيار زراعة قصب السكر

تعد زراعة قصب السكر من الأنشطة الزراعية – الصناعية الهامة، لما توفره من فرص عمل ومنتجات ثانوية عديدة، وإدماج لقطاع التنمية الحيوانية، ناهيك عن توفيرها لسلعة السكر الحيوية، والتي تسبب نزيفا لعملاتنا الصعبة، حيث يقدر ثمن استيرادها بـ50 مليون دولار سنويا.

 

ويعد اختيار هذا المحصول كسرا للروتين المعهود، وإيذانا بالشروع في تنفيذ مشاريع هيكلية رائدة، ستسمح في حال نجاحها بتنمية القطاع وتحويله، إلى قاعدة إنتاج حقيقية، وأساس متين لظهور صناعات تحويلية ضرورية لتمتين قطاع الصناعة في البلد، بحيث تصبح صمام أمان ضد الأزمات الاقتصادية الناتجة عن تقلبات الصناعات الاستخراجية.

 

ويعتبر اختيار انجاز مشروع زراعة قصب السكر في فم لكليته، فرصة إضافية لإعادة تثمين ذلك السد، الذي كلف الاقتصاد الوطني موارد معتبرة، دون أن يحقق فوائد تذكر، حيث لا يزرع حاليا من أراضيه غير 500 هكتارا من أصل 16000 قابلة للاستصلاح.

 

المركب الزراعي – الصناعي لإنتاج السكر

سيقع المركب علي مساحة إجمالية تقدر بـ11352 هكتارا، من ضمنها مزرعة مساحتها 9640 هكتارا، وسيقام مصنع لصناعة السكر بطاقة إنتاجية تصل 106000 طنا من السكر، بالإضافة لوحدات صناعية لإنتاج الاتانول والأعلاف، ومحطة لإنتاج الكهرباء.

 

بداية التحديات

لقد بدأ المشروع بعقد شراكة بين الدولة الموريتانية وشركة شركة كنانة للهندسة والخدمات الفنية (KETS)، تقوم الأخيرة بموجبه بتوفير المشورة والإدارة الفنية للمشروع حتى التسليم، وقد قامت تلك الشركة بإجراء دراسات الجدوى وإرسال فنيين وإقامة مشتلة جلبت لها 35 طنا من العقل (بذار) وهي كمية تكفي لمشتلة مساحتها 2.8 هكتارا.

 

لم يستمر التعاقد طويلا، بالرغم من النتائج الايجابية، حيث انتهي بهما المطاف إلى التقاضي، فالحكومة الموريتانية تعتبر بأن العقد باهظ التكاليف لتخسر بذلك شريكا جاذبا للاستثمار ويملك الخبرة الفنية الضرورية لانجاز مشروع كبير ومعقد.

 

يفسر غياب شركة كنانة، واحتكار منصب رئيس مجلس الإدارة لرئيس الحزب الحاكم، عزوف المستثمرين عن الدخول في المشروع، بالرغم من الجهود الكبيرة التي قامت بها الحكومة الموريتانية للبحث عن مستثمرين، حيث كان من المفترض أن يكون المركب شراكة بين القطاعين العام والخاص.

 

نتيجة لهذا التعثر لم يبدأ الإنتاج والذي كان مقررا عام 2015، فغياب المستثمرين حرم الحكومة من توفير مبلغ 340 مليون دولار هي التكلفة التقديرية للمشروع.

 

مقارنة بين مركب رشارد تول ومركب فم لكليتة

لعل من أهم نقاط قوة مركب فم لكليتة لإنتاج السكر، وجود مشروع مطابق علي الضفة اليمني لنهر السنغال، الأمر الذي سيسمح باستلهام العبر وتوجيه البوصلة، نظرا لتشابه واقع المشروعين على كافة الأصعدة.

 

يقع مركب رشارد تول لإنتاج السكر في مدينة ريشارد تول وهي مدينة عمالية تشبه الزويرات، وهو كاستثمار خاص أقامته مجموعة Mimran الصناعية الدولية عام 1970 على مساحة 12000 هكتار، يزرع منها حاليا 9000 هكتار، ويضم وحدات لإنتاج الاتانول والأعلاف، ومحطة طاقة لتوليد الكهرباء اعتمادا على حرق نواتج عملية العصر يبيع المركب فائضها لمؤسسة كهرباء السنغال، بالإضافة إلى إنتاج 90000 طنا سنويا من السكر في الوقت الراهن لتصبح بعد التوسعة 150000 طنا، كما توفر الشركة 6000 فرصة عامل نصفها ثابت.

 

نلاحظ تطابقا تاما بين المركبين، من حيث المساحة المزروعة والإنتاج والنواتج الثانوية والأهداف المتوخاة، فيما يبدو أنه نسخ لتجربة السنغال الناجحة، لكن هناك فوارق قد تصنع الفرق بين التجربتين، فمركب رشارد تول استثمار خاص يملك المال والأهم الخبرة الفنية، أما مشروع فم لكليته فهو استثمار عام علي الأقل لحد الآن، كما أن الأول يستخدم مياه النهر غير المحدودة، بينما يعتمد الثاني على مياه السد وان كانت لا تحتاج للضخ إلا أنها قد لا تكفي.

 

كان المخزون المائي للسد بـ500 مليون متر مكعب في فترة الهطول المطري لكنها تناقصت بفعل عمليات الاطماء، كما تقل بشكل كبير في السنوات القليلة الهطول المطري، لتصل فقط في الفترة الجافة لمائة مليون متر مكعب، والتي قد لا تكفي لاحتياجات المحصول والمقدرة بـ156 مليون متر مكعب، مما سينعكس على المساحة المزروعة، اللهم تمت تكملة النقص عن طريق جلب مياه النهر أو التوسع في استخدام طريقة الري بالتنقيط.

 

واقع المركب الصناعي – الزراعي اليوم

بعد أن كان من المتوقع أن نذوق طعم سكر موريتانيا عام 2015 فان واقع المشروع اليوم هو كالتالي:

– وجود شركة وطنية تدعي الشركة الوطنية للسكر COMASUD ومشتقاته متعاقدة مع بيت خبرة سنغالي AGRI D’OR لتقديم المشورة الفنية؛
 – اعتماد تسعة أصناف واعدة تتراوح مردوديتها ما بين 120 و160 ألف طن من القصب للهكتار؛
– تقيم عطاء لبناء مصنع؛
– تقديم عطاء لاستصلاح 1900 هكتار؛
– غياب أي شريك مهتم بالمشروع وينحصر التمويل على القروض.

 

الانعكاسات البيئية للمشروع

إن إنتاج الاتانول وتوليد الكهرباء سيدعم محفظة موريتانيا برصيد كربون ضروري لالتزاماتها البيئية، لكن بالمقابل سيتعرض الساكنة في المناطق المعرضة للأدخنة الناتجة عن حرق السفير لمشاكل صحية كبيرة كما أن مياه الصرف الصحي ستزيد من أوبئة المناطق الرطبة.

 

إن إجراء دراسات تقييم الأثر البيئي وتطبيق توصياتها كفيل بان يخفف من الانعكاسات البيئية ويضفي علي المشروع بعد الاستدامة.

 

دروس وعبر

لا شك في نجاعة الإستراتجية الوطنية الرامية لإقامة مشاريع هيكلية صناعية – وزراعية، كما أن صناع القرار وفقوا كثيرا، فالمشروع مدروس بعناية وأهدافه واضحة وانعكاساته ستكون كبيرة، فهو استثمار مماثل لشركة "اسنيم"، لكنه يفوقها بكونه استثمار مستدام.

 

لقد بدأ المشروع بداية قوية بوجود شريك فني جاذب للاستثمار، لكن لم يلبث أن ترنح بمغادرة شركة كنانة، فقد كان الأجدر استبدالها بشريك آخر يضمن جذب المستثمرين من جهة ويجنب المشروع الوقوع في أخطاء فنية قاتلة، قد تصنع الفرق فاستصلاح 9000 هكتار ليس بالأمر الهين وتجربة "بوكمون" و"ايرمبار" ومزارع لبراكنة الصغري خير دليل، فمعظم تلك المزارع المستصلحة لم تزرع لرداءة الاستصلاحات.

 

من سخرية القدر أن نواكشوط يمتد أغلب أحيائها على منخفض سباخ يدعى آفطوط الساحلي، تربته غير نفوذة وتحتاج للصرف الصحي، وعندما أراد صناع القرار جلب ماء النهر لها، لم يجدوا غير اسم آفطوط الساحلي، دون أن ينبهم ذلك لمشكلة الصرف التي ستتفاقم مع المشروع، ونخشى أن تكرر تلك السخرية مرة أخري، فاختيار سد فم لكليته احد المشاريع الهيكلية الفاشلة لري مزرعة المركب يجب أن يكون جرس إنذار.

 

سيظل إنتاج سلعة حيوية كالسكر حلما يراودنا جميعا، نظرا للمزايا الاقتصادية الهائلة التي سيحققها، لكن يجب أن لا ينسينا ذلك ضعف وهشاشة القطاع العام في إدارة المشاريع الهيكلية ألكبري، لذلك فعلى صناع القرار المبادرة لتصحيح الاختلالات قبل فوات الأوان، حتى لا يتحول المركب من مشروع لتثمين السد إلى تكرار للخيبة.

 

 

الأحدث