تخطى الى المحتوى

موريتانيا وتحدي الاستثمار (قراءة تاريخية)

جدول المحتويات

 

وفي مطلع السبعينات بدأت البلاد تأخذ مسارها الصحيح بإقامة المشاريع التنموية من بني تحتية وخدمية وبينما كان الجميع يتطلع لغد مشرق بأمل جديد أطلت حرب الصحراء برأسها فأوقفت الجهود وقضت علي الأحلام وبعد انتهاء الحرب خرجت البلاد منهكة و دخلت في دوامة من عدم الاستقرار بسبب الانقلابات والانقلابات المضادة في تنافس حميم بين القيادات العسكرية التي أمسكت بزمام الأمور بعد انقلاب 10 يوليو 1978.

 

وفي مطلع التسعينات اعتمدت موريتانيا وصفة الليبرالية التي حملتها رياح الرأسمالية العالمية والمقدمة من طرف المؤسسات المنفذة لتلك السياسات (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) حيث بدأت الحكومة بتنفيذ برامج هيكلية وإستراتجيات اقتصادية بتوجيه ودعم من تلك المؤسسات وكان الهدف من تلك البرامج والاستراتيجيات هو خروج الدولة من الحياة الاقتصادية وإفساح المجال أمام القطاع الخاص لأخذ دوره وقد تجلي ذالك بشكل واضح في تخلي الدول عن صروح اقتصادية كبيرة منها مؤسسات ومصانع لصالح القطاع الخاص الذي لم يكن مؤهلا لممارسة هذا الدور الذي يتطلب الخبرة والقدرة علي الانتاجية وبعد النظر الاقتصادي وحسن التسيير جاهلة أو متجاهلة أن النظام الرأس مالي لا يمكن بناؤه بقرار سياسي بل هو وليد تراكمات بنيوية على مدى زمن طويل هذا الواقع جعل القطاع الخاص عبئا جديدا على الدولة يأخذ من مواردها الشحيحة بلا رحمة حيث اكتفى بالتوريد للدولة وتقديم الخدمات لها معتمدا علي الفوترة والفوترة المضاعفة مشتركا في ذالك مع لوبيات الفساد المعششة في دهاليز الدولة ومراكز القرار وقد تزامن ذالك مع بدأ إطلاق المسلسل الديمقراطي بحفلات انتخابية تؤسس لزواج غير شرعي بين الدولة والقطاع الخاص فكان فارس أحلامها الذي تبحث عنه فأفسحت له المجال واسعا يعبث بمقدراتها المحدودة أصلا بدون حسيب ولا رقيب نتج عن ذلك لاءات كثيرة (لا مشاريع اقتصادية لا بنية تحتية لا مشاريع خدمية ولا حتى ضرائب تدفع لخزينة الدولة) ليتحول اقتصاد البلاد إلى اقتصاد ريعي يعتمد على التمويلات الأجنبية التي لا تأتي إلا بشروط مسبقة تخضع الدولة بموجبها لتلك المؤسسات وتجعلها حبيسة لسياساتها التي لا تخدم التنمية الحقيقة بقدر ما ترهق كاهل الشعوب بديون مجحفة تكتوي بنارها الأجيال القادمة، هذه الديون تمثلت في قروض جادت بها تلك الهيئات والمؤسسات للدولة الموريتانية راحت في كثير من الأحيان إلى مشاريع وهمية من قبيل (الكتاب والمطالعة… مكافحة السمنة… المعرفة للجميع…) إلا أن هناك تمويلات أخرى منحتها الحكومة على شكل قروض استثمارية مباشرة وضختها داخل قطاعات اقتصادية واعدة وقابلة للاستثمار نظرا لتعدد الفرص ووفرت المقدرات لكن مصير هذه القروض هو التحايل والفساد وتوظيفها في مجالات أخرى بعيدة كل البعد عن الهدف المتوخى منها أصلا من ما أدى إلى فشل الدولة في مرفقين مهمين للاقتصاد الوطني هما الزراعة والصيد البحري (القرض الزراعي… القرض البحري).

 

هذا الواقع حول سياسات الدولة من سياسات مركزية ينبغي أن تكون مدروسة تعطي للاستثمار الحقيقي دورا محوريا في الاقتصاد الوطني إلى خوصصة تعطي القطاع خاص دورا ليس مؤهلا له لأن ظروفه لم تنضج بعد لتنتهي تلك الحقبة بانقلاب 3 أعشت 2015.

 

ولنتجاوز عشر سنين خلت لنصل إلى اليوم ولنفترض أن الحكومة الحالية جادة وأن رئيس الجمهورية كما عبر عن نفسه دائما لديه النية والإرادة الكاملة لحل هذه المشاكل وتجاوز هذه الصعوبات وهذا ما لاحظه الجميع من خلال تدشين بعض المشاريع التنموية والبني التحتية والخدمية المهمة وانتهاج الحكومة لسياسات ايجابية تصب في هذا المنحي لكن يجب أن لا يغيب عنا أن حل هذه المشاكل الجوهرية يتطلب تمويلات ضخمة وعاجلة في مقابل ذلك هناك حاجة ماسة جدا لمشاريع خدمية تعتبر ضرورية هي الأخرى لحياة المواطنين مثل الصحة والتعليم ومياه الشرب… من ما يتطلب الموازنة بين هاذين الاشكالين وذالك باعتماد سياسات تسييرية صارمة ومدروسة تتميز بالعقلانية وتصويب القرار وترتيب الأولويات مع ترشيد دقيق لكل الموارد المرصودة لهذه المشاريع كل هذا لن يتحقق إلا بالقطيعة الكاملة مع الماضي بكل مظاهره (الفساد سوء التسيير استخدام النفوذ الزبونية الرشوة أكل المال العام) هذه المظاهر التي كانت سائدة في المراحل السابقة هي السبب المباشر لكل ما نعانيه اليوم ويعتبر تجاوزها تحديا بحد ذاته فهل الحكومة اليوم قادرة علي رفع هذه التحديات؟

 

الأحدث