تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 ومع كثرة المؤلفات والدراسات التي تناولت هذا الموضوع الهام إلا أنه مع ذلك ظل مفهوم التربية يحتاج إلى استجلاء وفي إطار ذلك تدخل هذه المعالجة المتواضعة من زاوية الرؤية الإسلامية للموضوع.

إذا رجعنا إلى معنى كلمة التربية في اللغة فإنها تتمحور وتدور حول معنى التنشئة والإصلاح وهي نقل المستهدف من حالة معينة إلى أخرى مثالية تريد أن توصل إليها المعني وإصلاح ما يطرأ عليه من انحراف عن المسار الذي رسمنا له.

والغرض من التربية عموما هو تنشئة مواطن صالح يعرف ما له وما عليه، ومن وجهة النظرة الإسلامية للموضوع هو إيجاد مسلم يعرف حق ربه وحق نفسه وحقوق عباده عليه وحق وطنه عليه فيقوم بتلك الحقوق بشكل متوازن بلا إفراط ولا تفريط.

 واستصحابا لهذا المعنى السابق يمكننا القول أن الهدف الإلهي من بعثة الأنبياء المربون الأول للبشرية هو تربية الناس عل تزكية نفوسهم واستقامتهم على الصراط المستقيم وذلك ما تشير إليه الآية الكريمة التاليه عن الهدف من الرسالة المحمدية:{هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين….} الجمعة الآية 2.

وقال سبحانه على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم…} البقرة الآية 129.

وأفضل أساليب التربية أن تتكامل عناصر العملية التربوية في سياق واحد بين المعلومة المقدمة وبين السلوك، ولذلك قال ابن مسعود في بيانه كيف تلقوا القرآن : (كنا لا نتجاوز عشر آيات فنعلمها ونعمل بها فتعلمنا العلم والعمل)، ولذا كانت أفضل طرائق التربية في الإسلام هي تدبر القرآن :(أفلا يتدبرون القرآن…) النساء 82.

فذلك يؤدي إلى التربية المتوازنة، فالإسلام يخاطب العقل والقلب والوجدان ويدمج ذلك في خطاب موحد لا يهمل أي جانب من جوانب الإنسان.

وأهم المراجع الإسلامية الشهيرة بتناول موضوع التربية هو كتاب الإمام الغزالي (إحياء علوم الدين) على تحفظ في بعض جوانبه، فقد قدم طرحا هاما في رسم محاولة جادة للمربي والمتربي في فهم مقاصد الدين في العبادات والأخلاق والاستفادة من الجانب الروحي في الإسلام وجعل ذلك سلوكا معاشا في واقع الحياة.

وهناك كتاب لا يقل أهمية للإمام ابن القيم هو (مدارج السالكين بين مقامات إياك نعبد وإياك نستعين) وهو شرح كتاب منازل السائرين للهروي صحح فيه شطحاته وهو يمثل الطرح السلفي السني لموضوع التربية أو ما يعرف بالتصوف الإسلامي الصحيح الخالي من الشطحات التي يقع فيها بعض الصوفية بقسميها الفلسفي والعرفاني.

وهناك كتابات معاصرة من جيل الصحوة حاولت أن تقعد بمعنى أن تجعل قواعد  عامة للتربية من منظور إسلامي، فيما يلي بعضها:

*       التريبة عملية ضرورية للإنسان تستمر من مهده إلى لحده قال تعالى : {يأيها اللذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.}آل عمران 102.

*       يريد الإسلام من تربيته للمسلم أن يستحق دخول الجنة والنجاة من النار:{ولا تخزني يوم يبعثون} الشعراء 87.

*       تزكية النفس في كل مرحلة من مراحل العمر { قد أفلح من زكاها* وقد خاب من دساها} الشمس 9-10.

*       التربية على معرفة سنن الله في الإنسان والكون والحياة : { ولن تجد لسنة الله تبديلا} الأحزاب.

*       معرفة أن الإنسان مجبول على الخير وفيه شر لكن ليس هو الأصل { فألهمها فجورها وتقواها} الشمس8، فعلى الإنسان أن يغالب جانب الشر في نفسه ويعزز  جانب الخير فيها.

*       ومن معالم التربية رعاية الجسم بالرياضة والتغذية الصحيحة المتوازنة فالعقل السليم في الجسم السليم.

*       رعاية العقل فهو قوة الإدراك فلابد من تربيته والعناية به وترسيخ العقيدة فيه بالمنطقيات والمنطلقات   العقلية الرشيدة ورد الشبه التي ترد إليه وخاصة من الثقافات الإلحادية الغربية  على وجه الخصوص.

*       كما أن المسؤولية التربوية تقع على الجميع من مدرس وأسرة ومجتمع ودولة ووسائل إعلام عامة وخاصة.

وفي الختام أختم بما بدءت به وهو أن الرؤية الإسلامية للتربية تعتمد على  فهم الكتاب والسنة والانطلاق منهما في التربية ومعرفة أن الهدف هو تزكية النفس وجعل الإنسان أهلا لتكريم الله له في الحياة الكريمة ودخول جنته التي هي دار الكرامة الحقيقية.

بقلم/ أحمد يحي المبارك

الأحدث