تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

ولهذا فقد سبق أن تناولتُه في مقالتين أجدني معيدا لبعض ما ورد في إحداهما:

لعل أكبر مشكلة واجهها المواطنون الذين استصدروا وثائقهم هي فخ "الاسم العائلي".

 

فمعظم الموريتانيين لهم أسلوب متوارث في التسمية هو إثبات البنوة في الاسم؛ حتى لو تعدت إلى الجد فإن عبارة "ولد" أو "ابن" و"بنت" تظل رديف كل اسم. وهذه سمة موريتانية أصيلة ـ شرعية وعربية أيضا ـ ينبغي الحفاظ عليها، وبالتالي فلا مبرر "للثورة" عليها سوى التقليد الأعمى، بالإضافة إلى ما سنرى من مضار التحول عنها.

 

 أما السمة الثانية لأسلوب الموريتانيين في التسمية فهي التركيب المطول أحيانا (مثل سيدي مولود فال وإبراهيم السالم ومريم السالمه… الخ) وهو تركيب ربما نشأ عن سنة نبوية مأثورة (خير الأسماء ما عبد وحمد… كما في الأثر) كعبد الله وعبد القادر..الخ.

 

ومنذ إحصاء 1998 وإنشاء بطاقة التعريف الجديدة سنة 2000 أسقطت أداة النسب واعتمد حقل الاسم العائلي…

 

وإذا كان حذف أداة النسب (ولد/ منت) فقط، كما يفعل بعض الشباب الرومنسيين، هو مجرد اختصار لا إشكال فيه، فإن اعتماد الاسم العائلي كحقل أساسي في وثائق الهوية كان غريبا وغير واقعي، بل هو خطأ فادح كما سيتبين الآن.

 

فالموريتانيون لم يألفوا هذا الأسلوب ولا يدرك معظمهم المقصود بالاسم العائلي أصلا؛ هل هو اسم الجد أو اسم "الخيمة" أو اسم القبيلة… الخ. ومن الناحية العملية لا يتفقون في تحديد هذا الاسم إطلاقا؛ فترى الأخوة الأشقاء عند الانتماء العائلي ينتسبون إلى أسماء مختلفة؛ فهذا ينتسب للجد الأول وهذه إلى الجد الثالث وهذا إلى الجد الخامس… الخ، بل ينتسب الإخوة الأشقاء لجد واحد ولكن بأسماء مختلفة لنفس الجد.. وبالطبع فإن هذا ما أثار الفوضى والمشاكل في وثائق الحالة المدنية الراهنة، بالإضافة إلى مشاكل تحديد محل وتاريخ الميلاد الذي اضطر فيه المقيدون إلى تحديد تاريخ واحد خالد ولد فيه ثلثا الشعب الموريتاني هو 31 ديسمبر!

 

ما يهمنا هو أن اعتماد وثائق الحالة المدنية الجديدة لهذه الطريقة قد خلق مشاكل لا حصر لها، بل وضع حامليها في حالات ضرر بين.

 

وكمثال صارخ على ذلك جواز السفر الجديد، فهذا الجواز دوِّن بطريقة غريبة، فهو لا يتضمن اسم الأب ولا اسم الأم ولا المهنة (مع وجود حقلها). وعكسا للجوازات القديمة وخلافا لبطاقة التعريف الجديدة نفسها تصدر حقل الاسم العائلي الدخيل حقول بيانات الجواز الجديد، لينادى على صاحبه ـ عند الحاجة ـ باسم أحد أجداده أو اسم أغرب من ذلك! الأمر الذي أوقع كثيرا من حامليه في مشاكل لا تحصى.

وقد شاهدت بأم عيني نماذج من هذه الإشكالات في عدة مطارات دولية… ولم ينقذني منها شخصيا سوى اسمي المركب حيث اعتبروا هذا التركيب هو الاسم واسم الأب معا.

 

لكن مشكلة خلو حقل المهنة يثير مصاعب أخرى منها منع التأشيرة في بعض الدول ومشاكل في تجديد الإقامة في دول أخرى…

 

إن قرار وكالة الحالة المدنية بإلغاء أداة النسب (ولد / بنت) التي ميزت عبر التاريخ أسماء أكثرية الموريتانيين، واعتماد الطريقة الغربية (وإن سادت في كثير من الدول العربية)، الذي جاء بهذه اليساطة، ودون تشاور ولا توضيح ولا تبرير، إنما يؤيد القول الشائع بأن هذه الهيئة هي في الواقع ـ غير الرسمي طبعا ـ دولة داخل الدولة أو سلطة أقوى من سلطة الدولة.

 

والمشكلة الكبرى في مثل هذه القرارات "المزاجية" التي تتخذ بشكل فردي، وشخصي أحيانا، أنها لا تثبت، وإنما تنسخ أو تمحى بنفس الأسلوب الفردي/ الشخصي أيضا… فتكون المصالح المهمة المترتبة على هذا أو ذاك مجرد ألعوبة يرى كل حاكم أو مدير أن من حقه ممارستها كما يحلو له. وهذه في الحقيقة إحدى تجليات الاستبداد وهدم أسس الدولة المؤسساتية.

 

فإن كان من عادات السلطة عندنا الإقدام بسهولة على مثل هذه القرارات في مجالات السياسة والتسيير… فإن امتدادها، بهذه البساطة والفوقية، إلى مجالات تاريخية/ اجتماعية ينم عن استهتار واستخفاف بالمسئولية… على أقل تقدير!

م. محفوظ ولد أحمد

 

الأحدث