تخطى الى المحتوى

"تِينِيكِي".. بين جَوْرِ النسيان ومَطْلَبِ العِرْفَانِ

جدول المحتويات

                                     

 ويعتبر المهرجان حسنة – بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا – من حسنات الحقبة السياسية الحالية لكن البعض يري أنه ربما أَلَمً به ومَسًهُ طَائِفٌ من الرًتَابَةِ والرُوتِينِ والتِكْرَارِ مما يستدعي من الجهات المنظمة الدًعْوَةَ إلى لقاء تقييمي في نهاية أيام النسخة الحالية لا أشك أنه إن التأم سيقدم جملة من اقتراحات التجديد والتشويق منها مثلا استضافة إحدى المدن التاريخية الشقيقة سنويا للمشاركة في فعاليات المهرجان.

                           

وأقصد بالمدن التاريخية الشقيقة تلك المدن المصنفة من طرف اليونسكو تراثا عالميا والتي تربطنا بها وشائج تاريخية خاصة "كتمبكتو" بمالي وفاس القديمة ومكناس القديمة بالمغرب و"بني حماد" بولاية "لمسيلة" بالجزائر وجزيرة "سان لويس" بالسنغال ومدينة صنعاء التاريخية باليمن ومدينتي قرطبة وغرناطة بالأندلس…

             

كما أن من الاقتراحات التي لن يخطئها كل ذي نظر سليم ضرورة استحداث برنامج وطني للتعريف بالمدن والمواقع الأثرية الموريتانية المندثرة كليا أو جزئيا وذلك سبيلا إلى ترسيم حدودها وإعادة بناء بعض معالمها والعرفان بالجميل لتاريخها وإسهامها في التراكم الحضاري للأمة الموريتانية والعمل على جعلها وِجْهَاتٍ وقِبْلَاتٍ للسياحة الثقافية.

 

والجدير بالذكر والتنبيه أن مقاطعة وادان الإدارية تشمل إحدى المدن التاريخية المندثرة كليا أو جزئيا وهي مدينة "تينيكي" الأثرية التي تأسست على يد أعيان قبيلة تجكانت حوالي سنة 1225م بعد انهيار الدولة المرابطية.

                          

 وقد تواتر المؤرخون على أن قبيلة تجكانت كانت تمثل ربع جيش المرابطين وأن لها انتشارا كبيرا في دول المغرب العربي والجزيرة العربية والساحل والصحراء وهي القبيلة الموريتانية الوحيدة المسجلة ضمن "القبائل المسلمة المليونية عددا" بالساحل والصحراء!! كما تشهد بذلك وثيقة مسجلة بالمكتبة الألمانية الكبري اضطلع عليها وبعث بها إلي منذ أشهر المُؤرخ النِحْرِيرُ سيد أحمد ولد الأمير. 

                  

 وقد شهدت مدينة تينيكي استقرارا وعمرانا  دام قرابة أربعة قرون ازدهرت فيها دراسة وتحرير وإثراء العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية بالإضافة إلى التجارة والزراعة والإعمار والبناء…  

      

 وأجمع المؤرخون العرب والموريتانيون والفرنسيون والإسبان والبرتغاليون على أن تينيكي كانت إحدى أهم مراكز الإشعاع العلمي في المغرب الإسلامي وأنه كان بها ما يزيد على أربع مائة امرأة يحفظن موطإ مالك وأن الجواري كن ينظمن بها حفلات إنشادية وغنائية مسائية يرددن فيها مقامات الحريري!!!.

                           

كما يروى أنها كانت مهد المحظرة الموريتانية حيث أن أول ذكر لمصطلح "المحظرة" بهذا الحيز الجغرافي المعروف حاليا بموريتانيا قد عرف به أحد أعلام وعلماء "تينيكي" وهو المختار ولد الطالب عبد الله المعروف "بالطالب محظرة". وقد افتخر بالإشعاع العلمي والحضاري لتينيكي العديد من نبهاء وعلماء البلد.

                    

واختصارا أسجل في هذا المقام ما أورده باب ولد الشيخ سيديا وما أدراك ما باب علما وفهما وكرما وعبادة وصلاحا وورعا وسياسة وريادة وقيادة!؟ حيث قال إن النساء "بتينيكي" كن يحفظن موطأ مالك ولا شك أن القارئ فهم أنه إذا كانت من النساء وقتئذ الحافظات العالمات فَظُنً خيرا ولا تسأل عن الرجال!

                      

وفي السياق نفسه أنوه إلى ما صدع به العلامة الفهامة وشيخ العلماء لمرابط اباه ولد محمد الأمين الذي قال بأنه في القرون الأربعة التالية للقرن السابع الهجري كانت أكثر بلاد الله علما مِصْرُ وتينيكي!!

                                       

 إن هذا التاريخ الوضاء لتينيكي عاني ويعاني كغيره من تاريخ المدن القديمة المندثرة كليا أو جزئيا ببلادنا من جَوْرِ النسيان وتقصير القائمين على الشأن الثقافي على مَرِ وذَهَابِ العقود الخمسة الماضية وثقتي كبيرة في أن "وُلاًةَ الأمر الثقافي" حاليا سيقطعون خطوات على طريق التعريف والعرفان بالجميل لتلك المدن.

                 

وكذلك فإن كلي حلُمٌ وأَمَلٌ وثِقَةٌ في أن تُوفق المنظمة غير الحكومية "هَيْئَةُ تِينِيكِي" المنشأة منذ سنتين أو ثلاث من طرف بعض خيرة أحفاد المنحدرين من المدينة سِيرَةً وأمانة وذكاء وشجاعة وتضحية مسنودة ومعززة بتحالف وتضافر جهود المجموعات السكانية والشخصيات المرجعية المنحدرة من تينيكي والقاطنة حاليا بوادان وأطار وإنشيري وأوجفت وشنقيط  في تحقيق التعريف بالمدينة من خلال ما أسميه "خطة إحياء تراثي".

 

وتساوقا مع المساحة المعتادة للمقالات التي أكتبها أسبوعيا منذ فترة سأكتفي بالإشارة إلى بعض أهداف ومقاصد خطة الإحياء التراثي التي أحلم بها وأتوقعها والتي تعني أساسا: ترسيم حدود المدينة القديمة وإعادة بناء بعض المعالم الكبيرة للمدينة كالمسجد العتيق وسور السوق الكبير وتشييد متحف محلي.

 

ضف إلى ذلك تسييج المقبرة ونقش أو إعادة نقش الأضرحة والتكفل بمصاريف ناظر مقيم يرعى شؤون المدينة ويُعَرِفُ بها الزوار والسواح وكذا اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة من أجل تسجيل المدينة الأثرية تراثا وطنيا تَعْهَدُ الدولة بتسييره للمنظمة غير الحكومية "هيئة تينيكي" لفترة طوية.

 

الأحدث