جدول المحتويات
و من معالم الدين القيّم الدعوة لنشره عبر الفتوحات ودرء المشركين وقوام كل ذلك الجهاد.
وقد شغلت ملاحم المقاومة الشعبية ذاكرة ووجدان المشاركين فيها وأبنائهم وأحفادهم لكنها للأسف ما أسالت -و صانعوها أحياء- حبرا يحفظ أثرهم ويقيهم موبقات التنكر والجحود، هذا الجحود المرضي المقزز هو ما يشهده حاضرنا هزيل القيّم.
وعلى الذي سولت له نفسه الأمارة بكل سوء وصف المجاهدين باللصوص وقطاع الطرق، دليله في هذا وجود بيظان يحاربون في صفوف الفرنسيين وقبل أن يعكس نصوص الجهاد وينسفها ويحول نوايا المجاهدين _ ولسنا نزكي على الله أحدا _ من أصفياء لامتثال أوامر ربهم إلى ناهبين لأموال غيرهم عليه قبل كل هذا أن يستغفر للذين خدموا الاستعمار وناصروه ضد ذويهم وذللوا له الأرض وأطابوا له المقام.
وعليه كذلك أن يراجع كل المعارك التي خاضها المجاهدون الأوائل دون استقطاعه إحداها دون غيرها ومراجعة كل التقارير التي أرشفتها قوى الاستعمار وحفظتها وأن يعتبر من الغزاة _ ما داموا قدوته _ في عدم خجلهم من الحقيقة إذ تضم التقارير العسكرية المؤرشفة هزائمهم وخسائرهم قبل انتصاراتهم ومغانمهم.
عليه كذلك وقبل أن يلوث تاريخ ملحمة أم التونسي أن يعيد رصع الزمن الفاصل ما بين معركة آحميم 1912 وهي في العمق الموريتاني ومعركة "اكليب آخشاش" بقلب التفاريتي وحاضنتها السمارة بالعمق الصحراوي 1913.
صاحبنا الفرانكفوني حتى النخاع حتما لا يحتاج مثلنا ترجمان متمكن كي يبلغه تفاصيل تقرير العقيد "موري" حول معركة لكليب وأسبابها فقد أورد الفرنسي المستوطن بجنوده وعتاده الأرض السائبة في تقريره ما مفاده أن مقامهم كاد يستتب لولا هجوم البدو القادمون من عمق الصحراء و ضربهم حامية آحميم و غنمهم عشرين ألف طلقة وخمسمائة وسبعة عشر جمل ومائة وسبع وخمسين "رباعية "
ويؤكد بأنهم عائدون لا محالة بتلك الغنائم والذخائر لضربهم من جديد ما لم يتم التصدي لهم و كان قراره ملاحقتهم ونتيجتها معركة "كليب آخشاش" الشهيرة .
و لهذه المعركة حصة الأسد بتقرير العقيد موري وبه كل تفاصيلها ومنها هزيمته أمام المجاهدين ووصفه صلابتهم وقوتهم الخارقة.
و أدعو نابز المجاهدين لنشر الخارطة المفصلة لهذه الجغرفيا أمامه فالمسافة الخرافية الفاصلة بين آحميم واكليب آخشاش هي بالضبط الفاصلة ما بين اللص والمجاهد، فلو أنهم أرادوا النهب والسلب لكفاهم ما جاورهم من بلاد رعوية سائبة مترامية الأطراف لا حامي لها إلا الله، لكنهم كانوا مجاهدين بكل بساطة والشهادة غايتهم.
و ما أم التونسي محل جدالكم إلا واسطة عقد زخرفته دماء الشهداء وأشرف من أن يعلقه المرتدون.
من العقوق خذلان الذين شرفونا بجهادهم _وهم عند خالقهم_ بالنكران والجحود، وهم من حفظوا ماء وجه أمة بكاملها وقد نخرها الاستعمار وعاث فيها فسادا، من العار أن نغتال ذكراهم لأن من بيننا من ينتسب للمتخاذلين والمرتدين، و على الذين لم يرثوا الشجاعة أن يحاولوا اكتسابها لا تسفيهها وطعن الشجعان في شرف الشهادة وفضل غايتها.