تخطى الى المحتوى

حرب الإستراتيجيات بين أمريكا والصين والفرصة التاريخية لبلادنا

جدول المحتويات

 

اليوم وبعد مرور 70 سنة حصل تغير كبير في بنية اقتصاد الدول المتقدمة حيث (GDP)  أصبحت تجارة الخدمات تشكل أكثر من 70% من إجمالي الناتج المحلي لها، لذا تسعى هذه الدول وعلى رئسها أمريكا لمراجعة قواعد التجارة العالمية حيث تشرف الولايات المتحدة الامريكية الان على مفاوضات ثلاثة اتفاقيات عالمية (GATS) الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات  (TTIP) الاتفاقية حول الشراكة التجارية والاستثمارية عبر المحيط الأطلسي  (TPP) واتفاقية الشراكة الاقتصادية الإستراتيجية عبر المحيط الهادئ

 

وعند نجاح هذه الاتفاقيات تكون أمريكا استكملت إستراتيجيتها الجديدة للتجارة العالمية التي تشمل أوروبا و دول جنوب شرق آسيا وكندا واستراليا مطلقة بذلك الرصاصة الأخيرة على منظمة التجارة العالمية ومخرجة الصين من النظام التجارة العالمي الجديد بعد ما كانت تعد من ضمن أكثر المستفيدين من نظام التجارة العالمي الحالي.

 

وعلى مستوى حرب استراتيجيات أنابيب نقل الغاز العالمية، تدعم أمريكا بقوة إنشاء خط لنقل الغاز من تركمانستان إلى الهند مرورا بأفغانستان وباكستان، وتعتبر تركمانستان (رابعة أكبر احتياط عالمي) أكبر مصدر للغاز إلى الصين عبر أطول خط لنقل الغاز في العالم (8653 كيلومتر) حيث بلغت صادراتها من الغاز لصين سنة 2014 (30 مليار م3) ومن المتوقع أن تصل إلى (65 مليارم3 ) بحلول 2016 م وتغطي هذه الكمية حاجيات 600 مليون صيني من الغاز .

 

وأحبطت أمريكا والسعودية إنشاء خط أنابيب كان سيربط كل من إيران (ثاني أكبر احتياط عالمي) وباكستان والهند وذلك بعد ما دفعت السعودية مبلغ 1.5 مليار دولار لباكستان وتعهدت أمريكا للهند بمساعدتها في استيراد الغاز الطبيعي المسال من قطر وبناء مفاعلات نووية لتوليد الطاقة والاعتراف بها كدولة نووية كبيرة. وكان ممكن لهذا الخط أن يصل إلى الصين عن طريق باكستان معلنا بذلك ارتباط مصالح هذه الدول الأربعة بالإضافة إلى روسيا (أول احتياط عالمي)، مما كان سيشكل تهديدا حقيقيا للمصالح الأمريكية في آسيا وربما على مستوى العالم كله.

 

كما أحبطت أمريكا والسعودية إنشاء خط أنابيب كان سيربط إيران بأوروبا مروراً بالعراق وسوريا عن طريق تدمير سوريا تحت مسمى "الربيع العربي"، هذا الخط كان سيتيح للصين امتيازات أكثر في التفاوض مع روسيا المصدر الأول للغازفي الأسواق الأوربية وذلك بعد دخول إيران على الخط كمنافس لها.

 

من المعروف أن نموذج الاقتصاد الصيني يعتمد على استيراد الطاقة والمواد الأولية وتصدير المواد المصنعة لذلك لا بد للصين من أن تضمن تأمين مصادر الطاقة وتضمن كذلك وصول البضائع إلى الأسواق العالمية، وقد حشرت إستراتيجيات العم سام حول التجارة الدولية والطاقة المذكور أعلاه الصين في الزاوية.

  

 لكن الرد الصيني جاء سريعا، لقد أطل علينا الرئيس الصيني شي جين بينغ من جامعة نزارباييف بكازاخستان في 7 سبتمبر 2013 معلنا للعالم عن مشروع القرن "إحياء طريق الحرير البري والبحري" وذلك عن طريق إقامة خطوط سكك حديدية فائقة السرعة عابرة للقارات تربط بين الصين وأوروبا من جهة والصين ودول جنوب شرق آسيا من جهة أخرى.

 

حيث سيربط الخط الأول (الأوراسي) شمال شرق الصين بإنجلترا مرورا بروسيا وألمنايا وفرنسا.

 

الخط الثاني (خط آسيا الوسطى) يربط شمال غرب الصين اقليم شينجيانغ بألمانيا مرورا بكل دول آسيا الوسطى وإيران وتركيا.

 

الخط الثالث يربط جنوب غرب الصين بسنغفورا مرورا بالفيتنام وماليزيا.. الخ

 

ومن المتوقع أن يبلغ طول هذه الخطوط الثلاثة مجتمعة حوالي (40000كم ) بالإضافة إلى (12000 كم) متوقع إنشاؤها داخليا لربط المدن الصينية في حلول 2020 م.

 

بالإضافة إلى إقامة وتطوير عشرات الموانئ التي تقع على طريق الحرير البحري والذي يربط العديد من مدن العالم الساحلية خاصة في منطقة الخليج العربي وشرق إفريقيا وشرق وجنوب آسيا.

 

إن حرب الاستراتيجيات هذه ستخلق فرصة تاريخية لبلادنا لسببين رئيسيين هما الموقع الجغرافي لبلادنا وامتلاكها للحديد الخام ذو النوعية الجيدة حيث تمتلك احتياطي معلن يصل إلى (1.2 مليار طن) من الحديد، والذي يعتبر المادة الأولية لإنتاج أنواع الفولاذ المختلفة المستخدمة في مشاريع البنية التحتية، وعليه يمكننا السعي مستقبلا إلى استغلال هذه الظرفية التاريخية الدولية الخاصة لحسابنا خاصة على صعيد المحاور التالية:

 

1-   التعاون في مجال استكشاف واستغلال وتصدير الحديد الخام الذي ستكون الصين في أمس الحاجة إليه لإنشاء مشاريع البنية التحتية الضخمة التابعة لمشروع طريق الحرير الجديد هذا. مما سيمكن اسنيم من تحقيق حلمها بالانضمام إلى الخمس الأوائل لمصدري خامات الحديد في أفق 2025 م.

2-   سعي إلى توطين صناعة الصلب وتطوير صناعة التعدين في بلادنا مما سيخلق عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من فرص العمل ويعزز القوة التنافسية لبلادنا في سوق المعادن الدولية ونحن نعتقد أن هذه الفكرة ستلقى دعما من الجانب الصيني لعدة أسباب يضيق الوقت عن ذكرها.

3-   استغلال الموقع الجغرافي لبلادنا كهمزة وصل بين دول المنطقة من خلال منطقة انواذيبو الحرة لتكون محطة تجارية رئيسية في مشروع القرن هذا، بحيث تتولى بلادنا نقل البضائع عبر أراضيها إلى دول الجوار مما سيخلق الكثير من فرص العمل وحركة اقتصادية يمكنها تشجيع المستثمرين العالميين على الاستثمار في مجال تطوير الطرق السريعة وربما السكك الحديدية في بلادنا.

4-   تفعيل اتفاقية مشروع خط السكة الحديدية الرابط بين كيهيدي – انواكشوط والتي وقعها وزير النقل سنة 2008م مع المدير العام لبنك الواردات والصادرات الصينى والتي بموجبها كان سيقدم البنك المذكور حوالى 686 مليون دولار أمريكى لتمويل إنشاء هذا الخط البالغ طوله 430 كم.

5-   إمكانية تصدير الغاز الموريتاني مستقبلا إلى الصين حيث بلغ استهلاك الصين من هذه المادة سنة 2014 حوالي (180 مليارم3) ومن المتوقع ان تصل هذه الكمية إلى (400 مليار م3) سنة 2020 خاصة مع سعي الحكومة الصينية إلى إحلاله محل الفحم الحجري كمصدر أولي للطاقة وذلك لتخفيف تلوث الهواء الذي تعاني منه جل المدن الصينية.

 

إن نجاح مشروع طريق الحرير الجديد هذا لن يمكن الصين من فك الحصار الأمريكي عليها وحسب بل سينهي خمسة قرون من سيطرة الأوربيين والأمريكيين من بعدهم على نقل التجارة العالمية عبر البحار فالسرعة الفائقة للقطارات الصينية (605 كم / ساعة) ستجعل 48 ساعة فقط تكفي لقطع المسافة بين الصين وأوروبا بينما تحتاج السفن إلى حوالي شهر وذلك ما سينقل المنافسة بين القوى العظمى من السيطرة على المضايق البحرية إلى المنافسة على المناطق القارية الجيوإستراتيجية والتي تعتبر بلادنا إحداها وربما هذا من ضمن أسباب اهتمام القوى العظمى ببلادنا في السنوات الأخيرة.

والله أعلم.

الأحدث