جدول المحتويات
وبعد فأشكر المحكمة العليا على تنظيم هذين اليومين العلميين الذين سنتهما منذ سنة، فكانت سنة حسنة سيصل أجرها ـ بفضل الله تعالى ـ ويضاعف لأولى الشأن بها، نسأل الله لهم ذلك ثم لنا ولهم حسن العاقبة.
لقد لفت نظري عندما قرأت البحث القيم الذي تقدم به وقدمه فضيلة القاضي الشيخ/ محمد عبد الله بن بيداه ، وكذا بحثا زميليالفاضلين القاضي/ عبد الله بن أحمد ولد احبيب وذ/ لمرابط ولد السيد ، لفت نظري ـ إذا ـ ما تعلق بالضرر الناشئ عن أتعاب المحامي لأنها ضرر جلب إلى المحكوم له بسبب ظلم وتعنت المحكوم عليه فهل نعتبره من مصروفات التقاضي التي بذلها المحكوم له ؟ومن ثم فتحمل على المحكوم عليه، لأنه الظالم بانكشاف الأمر بالحكم ـ والظالم أحق أن يحمل عليه ـ
وقد تبين لي من هذه البحوث ومما سمعت وأثير حول الموضوع من النقاش ، وما وقفت عليه من نصوصنا التشريعية النافذة المتعلقة بالموضوعـ إجرائيا وموضوعيا ـ أنها لم تنص صراحة على ذلك وأن من المتعارف عليه ألا يطلب المحكوم له هو ولا محاميه من المحكمة احتساب أتعاب المحامي في المصروفات ضمن ما تضمنته المادة143 من ق.ج.م.ت.ا إمالأن الفهم صار إلى استبعادها انطلاقا من المادة 118 من ق.ا.ع. وإلى ذلك أشار الزميل ذ/ لمرابط في بحثه ، وإما لكونها لم تنظم بتشريع خاص ونافذ بعد؛
وبما أن النقاش قد تطرق باستفاضة إلى أنه ينبغي أن يشرع ويحدد ليطلب ـ من ثم ـ بعد ذلك جبر هذا الضرر الناشئ عن عملية التقاضي بما فيها أتعاب المحامي لإضرارها بدافعها فعلا ، وقد تفضل المتدخلون بأسئلتهم إلى معظم الجوانب القانونية لهذا الشق من الموضوع مقارنة وتمثيلا واستشهادا بما أفادنا جميعا.
إلا أنني بسكوت المشرع عما يتعلق بأتعاب المحاماة ـ في أحسن الأحوال ـ أو استبعاده لها كما فهم وصار واقعا قانونيا أرى أنه يمكن بالقياس الشرعي ـ قبل تقنين الموضوع ـ أن نصل إلى الحكم في الأتعاب قياسا على الأصل الذي هو الضرر الناتج عن التقاضي وحكمه وهو الحمل على الظالم من المتقاضيين الذي هو المحكوم عليه ، وهذا القياس وارد وانتم تعلمون أركانه التي هي ـ الأصل ـ الفرع ـ الحكم ـ العلة. ثم شروط هذه ومنها انضباط الوصف ـ وأن تكون مقدرة ومعينة ..الخ ثم البحث عن مسالكها من اجماع على العلة ـ والقوانين المقارنة مجمعة على هذه العلة ـ ونص ـ وتنبيه ـ وسبر ـ وتقسيم ـ ثم تنقيح مناطها وتخريجه أو تحقيقه.
ومعنى ذلك ـ في نظريـ أنه إذا طلب من القاضي ضم أتعاب المحامي إلى مصروفات الدعوى المحكوم بها ، وقد عددأصحاب هذه البحوث منها نحوا من عشرة فلا مانع له ـ قبل التشريع ـ أن يستعمل القياس الشرعي عند الاصوليين المفيد إلحاق مالم ينص عليه بما نص عليه إذا استكمل شرائط القياس ، وما يحتاج إليه من النظر في بعض الأمور التي منها: حكم الأصل ـ التعليل في الجملة ـ تعيين الوصف الذي به التعليل ، ثم وجود ذلك الوصف في الفرع ـ نفي المعارض في الأصل ـ نفيه في الفرع، والمناظر له أو المعقب على حكمه أو قراره يقدح في علة قياسه بقوادحها كالنقض أي وجود الوصف دون الحكم ، والكسر أي تخلف الحكمة ، وعدم العكس ، والقلب ، والقول بالموجب ، وهي نحو من عشرين عند بعضهم ذلك لأن القياس مشروع عندنا.
قال في المراقي: مستلحق الشرعي هو الشرعي ـ وغيره لغيره مرعى.
وأنا بهذا القياس ـ إن جاز لمثلي أن يقيس ـ أرى إلحاق هذه الاتعاب بالمصروفات القضائية بجامع الضرر الناشئ عن التقاضي إذا لم يبالغفيها.
وأروي هنا حكاية لها مشابهة بموضوعنا من حيث البحث عن الحكم في النوازل ، فقد نقل حجة الاسلام آبو حامد الغزالي في المنخول أنه سأل شيخه أبا المعالي الجويني عن مسألة من سقط على الجرحى بلاختيارهفإذا مكثقتل من سقط عليهوإن انتقل إلى آخر قتل مماثلا فقال له: إن التكليف ساقط مع قوله ـ أي إمام الحرمين ـ لا تخلو واقعة من حكم ، فلما راجعه أبو حامد في المسألة قال له الشيخ : حكم الله ألا حكم ، فقال أبو حامد: لاأفهم هذا تأدبا مع شيخه ، فهل نقول نحن الآن في أتعاب المحامي حكم الله فيها ألا حكم.
والله الموفق