جدول المحتويات
قد يبدو هذا القرار غير ديمقراطي بل ومناف لحقوق الإنسان لدى البعض، لكن إدراك المفاسد التي تترتب على وجود هؤلاء بحرية كاملة في المجتمع يقول بضرورة اتخاذ إجراء يمنعهم من مواصلة بث السموم.
ضرب مالك بن نبي أمثلة من الأفكار السامة التي كانت سائدة في أيامه مثل: تسمية المجتمع القبول بالفوضى الإدارية تسامحا ـ فلو غاب موظف عن عمله لسبب عارض، وتعطلت مصالح الناس مدة يوم كامل بسبب ذلك، فإن أي شكوى أو تذمر من حالة الفشل الإداري هذه تسمى قسوة وتعصبا، فيما يسمى عدم الاكتراث بها تسامحا وسعة صدر.
وهذا خلل في الفقه الشرعي وفي التدبير السياسي، خلل في الفقه الشرعي لأن القضايا العامة لا يملك الأفراد التنازل عنها فهي حق للمجتمع على الدولة وليست ملكا للأفراد، وخلل في التدبير السياسي لأن التسامح فيها يؤدي إلى انهيار المنظومة كلها.
خطورة هذه الأفكار ليست في وجودها واستشرائها فقط، بل في تبريرها أخلاقيا مما يمنحها صفة الشرعية مما يفقدنا الإحساس النقدي بالمعركة ومن ثم يقتل روح التحفز والفاعلية ضده.
ويضرب بن نبي مثالا من الواقع اليومي لتأكيد فكرته، يقول: "فلنفترض مثلا أنك أبديت دهشتك ذات يوم، سواء لأن بريدك لم يصل إلى من أرسل لهم أم لأن أي بريد لم يعد يصلك
أتدهش من ذلك؟..، هذا أمر لا يجوز..، وها هو ذا أحدهم يتطوع ليشرح لك أن الأمور تجري بصفة عادية، وأن غير العادي هو أنت!! لأنك تدهش!!، ولسوف يتخذ أحد التقاليد ضد الاجتماعية شاهدا على ما يقول، سيقول لك مثلا: إن شخصية كبيرة معينة لم تتسلم ذات مرة برقية مرسلة إليها، فعادت إلى المرسل مع ذكر أن (العنوان مجهول)".
لكن هل ما تزال هذه الأفكار الخطرة تهدد مجتمعاتنا؟ نعم ما زلنا نحمل هذه السلبيات في كل مفاصل حياتنا، بل نشأت أفكار أخرى أكثر فتكا!
منها مثلا المجاهرة الصارخة بالوقوف ضد أخلاق الأمة وأمنها ووحدتها، فمنذ الربيع العربي ظهرت أصوات تعلن عداءها للأمة دون مواربة ولا كناية، لكن الخطر ليس في إعلانها تلك المواقف الغريبة، فالاختلاف سنة، بل الخطر هو تبرير ذلك في أوساط النخبة والمجتمع واعتباره حرية تعبير وحقا من حقوق الإنسان، إنه تبرير يفقد المجتمع هويته ومعالم تميزه الثقافي والأخلاقي والسياسي.
إن مثل تلك الأصوات كانت ستظل معزولة لو كانت هناك قوة دفاع اجتماعي تلقائية، وهي التي تكون فعالة في المجتمع الصحيح، أو في المجتمع الذي يكون في أول أعراضه المرضية، ذلك بأنها آخر ما يبقى من المجتمع.
هنا أستعير أيضا ما قاله مالك بن نبي ذاكرا كيف دافع المجتمع السوفيتي عن علاقاته ضد كل القوارض، "حين اتخذ إجراءات جريئة ضد ما أطلق عليه (المواطنة العالمية) كيما يدافع عن وحدته الثقافية، وضد ما أطلق عليه (الانحرافية) كيما يدافع عن علاقاته الفكرية (الايديولوجية)، وضد ما أطلق عليه (التروتسكية) كيما يدافع عن علاقاته السياسية".
أعتقد أن الصرامة التي اتخذها علي بن أبي طالب ضد الخوارج قد تفهم في هذا السياق، لقد أسهمت تلك الصرامة الحديدية في عزل فكر الخوارج عن منظومة الفكر الإسلامي العام، ولولا ذلك الموقف الحازم لأصبح فكرا يمتلك وجاهة علمية وعملية.
لا يعني الأمر هنا الوقوف ضد حرية التعبير ولا حرية الموقف، ولكنه يعني أن لكل مجتمع قيما يقوم عليها أساسه وفاعليتها شرط لبقائه، عليه أن يظل محافظا عليها، وهي فكرة يقوم عليها المجتمع الغربي ويعتبرها داخله جزءا من إستراتيجيته للأمن القومي الثقافي والسياسي والاقتصادي، ولكنه يصفنا بالانغلاق ومعاداة حقوق الإنسان إن نحن تحدثنا عنها. لأن الغرب لا يصدر قيمه الإيجابية للآخرين.
إن قوارض كثيرة تنهش شبكة علاقاتنا الاجتماعية ومنظومة قيمنا الأخلاقية جديرة بأن تبعد إلى سيبيريا لتستروح رياحها بعيدا عنا حتى تستطيع الأمة النقاهة من أثر سمومهم المدمرة.
ولكن هل لدينا خروتشوف جديد لنفي تلك القوارض!
أعني، من سينفي القوارض؟!
نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو" الأسبوعية