جدول المحتويات
التاريخ في كبرى المؤسسات الإعلامية في العالم، والتي أصبحت لها فيما بعد سلطة رابعة تقمع بها حيف السُّلط الثلاث، يحكي لنا مرارة البداية وشظف العيش، وصبر أيوب..
إن الديمقراطية وتقدم أي بلد مرهونان بصحافة تتسم بسِمتين بارزتين، هما:
أولاً: حرية مسؤولة، بحيث لا تعرقل طريقها خطوط حمراء تسعى إلى ستر المكشوف مما يضر بمصلحة البلد، أو حجب المعلومة الدقيقة التي تبني عليها الصحافة الجادة دراساتها وتحليلاتها للمشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولكن سلاحها هذا يجب أن يغلّف بغمد المسؤولية التي ستكافئها بالجدية والثقة المطلقة، ولا تعني المسؤولية حجب المعلومة ولا إرضاء النافذين، ولكنها تعني فيما تعنيه مراعاة المصلحة العليا، وعدم نشر ما يخل باستقرار البلد، وعدم استغلال المنبر لابتزاز مسؤول أو التشنيع على آخر.
ثانياً: شجاعة حازمة، فالصحافة تقاتل عن حقوقها بنفسها، فالأصل أن المسؤولين خصومها، وهنا على الصحافي حين يكون في مهمة صحافية، تغطية أو تحقيق، أن يراعي حق المتابع في المعلومة الدقيقة، لا رغبة المسؤول في تجميل صورته لدى الرأي العام، وعلى الصحافي أن يتوقع كل شيء في سبيل مهمته المقدسة.
يبقى ما قلناه جانباً نظرياً، يمثل المبادئ العامة لخلق الهوية الصحافية، وحين نحاول تنزيل هذه المبادئ على واقع وسائل الإعلام الحالية في بلدنا الحبيب، نجد صعوبة شديدة في تصنيف أغلب تلك الوسائل، وإعطائها الصفة الصحافية، من دون أن نسلم من وخز ضمير لا يسلّم بذلك الحكم.
لا شك في أن لدى مؤسسات إعلامية واعدة جرأة في الطرح وانتزاعاً للمعلومة، وثقة من قبل متابعيها، ولكن هذه المؤسسات – للأسف – محاصرة من عدوّين لدودين، السلطة القائمة، بحجب المعلومة وتكذيب المعطيات وتوسيع دائرة مفهوم المسؤولية في مقابل تضييق مساحة الحرية الصحافية، فهما؛ أي المسؤولية والحرية، في نظرها كالمشرق والمغرب كلّما اقتربت من إحداهما ابتعدت عن الأخرى.
العدو الثاني هم أدعياء المهنة، الذين لا يفرقون أحياناً بين الحوانيت وإدارة مؤسسة إعلامية، وعليهم العبء الأكبر من مسبّة تهميش الصحافة وتمييعها، بما يرتكبونه من أخطاء فادحة، يحملنا حسن الظن على اعتبار أن سببها الجهل المطلق بما أقدموا عليه لا أنهم وُشاة وعيون للمسؤولين.
***
بعد ما أعلن في موريتانيا وربما في غيرها عن قرب وفاة الصحافة الورقية بسبب المد الجارف للتيار العنكبوتي لما يتمتع به من سرعة وتقنية معالجة عالية وانخفاض في الكلفة المالية، برزت صحف ورقية استطاعت من خلال معالجاتها للحدث الوطني أن تجعل تصفحها لازمة لكل مهتم ومتابع للشأن العام، وفي مقدمة هذه الصحف صحيفة الأخبار إنفو التي هي عذق باسق من دوحة مدرسة وكالة الأخبار، أول وكالة أنباء موريتانية مستقلة.
لقد كانت صحيفة الأخبار إنفو طوال أعدادها الـ 99 الماضية تتسم بميزة هي لبّ العمل الصحافي، وهي أن في كل عدد جديداً يسبقه تلهف واستعطاش، وهو شيء منطقي ومفهوم لمن يعرف أقلامها وقدرتهم على المزاوجة بين المسؤولية وصون الحرية الإعلامية.
لقد أسست الصحيفة لمدرسة تحقيقية لها ملامح عدة أبرزها:
أنها لم تكن تخضع للحظة، فحين يكون جدل ثائر حول أمر ما فإنها لا تتطرق إليه إلا بعد حين، حتى تجمع ما يمكنها أن تحصل عليه من وثائق حول الموضوع، وحتى أيضاً وهذا المهم تبتعد عن ضغط الحدث، وتنظر إليه بعين تفرق بين حجم الماء في حالتي السكون والغليان.
كما أنها أيضاً – وهو ربما ناتج عما قبله – امتازت بعامل المفاجأة، فمواضيع تحقيقاتها غالباً ما تكون مفاجئة للساحتين الإعلامية والسياسية.
تميز أداؤها التحقيقي بالدقة واصطحاب الوثائق، ولعل من أمثلة ذلك ملفي التنصير واسنيم، وغيرهما.
ولعل سبب ذلك قدرة الكادر التحريري للجريدة على الوصول إلى المعلومة، ما يعني مستوى معيناً من اختراق منظومة المصادر الحكومية، وهذه إحدى الصفات اللازمة للصحافي المؤثر.
نتج عن كل ذلك وغيره أننا شاهدنا لأول مرة في موريتانيا صحافة تؤثر في القرار السياسي والإداري للبلد، تُخشى وتُرهب، وترغم الحاكم على تصديق أقوالها إذ لا محيد له عن ذلك، ولعل أصرخ مثال على ذلك ملف التحقيق المتعلق بحكومة الظل، وكيف تحول الظل إلى شمس ساطعة، تحرق المراحل وتكشف المستور.
في عيدها المائة أقدم أكاليل التهاني إلى الزملاء الأعزاء وأرجو لهم التوفيق في قابل أيامهم، ولولا الإطالة لأسهبت في ما أراه معالم مدرسة صحافية جديدة في موريتانيا، ولكن الوقت والمساحة يلجماني عند هذا الحد.
نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو" الأسبوعية