جدول المحتويات
"فــ"الحرية حِلْيَةُ الإنسان وزينة الْمَدَنِيَةِ فيها تُنمَى القًوى وتَنطلقُ المواهب وبِصَوْبِهَا تَنْبُتُ فضائلُ الصَدقِ والشجاعة والنصيحة بصراحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتتلاقحٌ الأفكارُ وتورقٌ أفنانُ العلومِ". (الطاهر بن عاشور أصول النظام الاجتماعي بتصرف طفيف ص 159).
أما الحرية فهي أصل فطري نشأ عليه البشر وبه تصرفوا في أول وجودهم على الأرض حتى حصلت بينهم المزاحمة فحدث التحجير نتيجة لضرورات الاجتماع الإنساني وما يتطلبه من نظم وضبط وتقنين.. وقد دخل التحجير على البشر في حريته من أول وجوده إذ أذن الله لآدم وزوجه حين خُلقا وأُسكنا الجنةَ الانتفاعَ بما في الجنة إلا شجرةٌ من أشجارها قال تعالى: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ).(الأعراف: الآية 19).ثم لم يزل التحجير يتسع ملتهما مساحات من الحرية الإنسانية الفطرية بما سنته الشرائع والتعاليم المراعية لصلاح حال الأفراد و المجتمعات.( الطاهر بن عاشور أصول النظام الاجتماعي بتصرف).
طبيعة الحرية:
ويرى الأستاذ علال الفاسي أن الحرية جعل قانوني وليست حقا طبيعيا فما كان الإنسان ليصل إلى حريته لولا نزول الوحي السماوي ووجود العناية الإلهية فما كان الإنسان ليصل إلى حريته لولا نزول الوحي وأن الإنسان لم يخلق حراً وإنما ليكون حرا "بقدر خضوعه لشرع الله وأن الحرية كدح ونضال في طريق عبودية الله..
وأبدى الفاسي تعجبه من كون العلماء لم يتفطنوا في آية البينة: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة) لهذا المعنى اللطيف: أنه لا سبيل إلى الانفكاك والتحرر إلا بمنهج العبودية لله منهج التكاليف الأمر الذي يجعل الحرية خلقا ذاتيا تتجلى آثاره في أعمال الإنسان الصادرة عن شعوره بالتكليف، إن الإنسان الجدير بصفة الحر هو المؤمن بالله .. وأن التكليف هو أساس الحرية وعلامتها".(راشد الغنوشي الحريات العامة ص 29 بتصرف طفيف.)
تنظيم الحريات ضرورة اجتماعية
وللحرية حدود تضبطها وتقيدها سواء منها ما كان على صعيد الفرد وما كان على صعيد الفرد او المجتمع أو السلطة الحاكمة فإذا تجاوز الفرد حدود حريته وقع في الفوضى (تنتهي حرية اصبعك عند بداية حرية عين الآخر) وإذا ضيع المجتمع حريته صار محتلا مستعمرا وإذا قيدتها السلطة الحاكمة فهي سلطة تعسف واستبداد..
ولما كانت ممارسة الحرية تستلزم مراقبة دائمة وضبطا على صعيد الفرد والجماعة فقد قال تعالى(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. آل عمران الآية 104. بل ذهب إلى أبعد من ذلك فقد قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في قوله تعالى:( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ). "آل عمران 110" ( تقرير التنمية الإنسانية العربية 2004 ص 68).
الإسلام أول ديانة تحرر الرقيق
وقد أبطل الإسلام أسباب الاسترقاق الاختيارية والاضطرارية ولم يبق إلا سببا واحدا وهو الأسر مع الكفر في حرب بين المسلمين والكافرين فإذا أسر الكافر في الحرب استرق ولو أسلم قبل الغلب وقبل أن يؤسر لم يقع عليه الأسر ويستمر استرقاق الكافر الأسير إلى أن يحرر بسبب من أسباب التحرير" التي عمد الإسلام تكثيرها حتى وصلت … .(الطاهر بن عاشور / أصول النظام الاجتماعي ص 167).
ومهما يكن فــ"إنموقف تحديد الحرية موقف صعب وحرج دقيق على المشرع غير المعصوم فواجب ولاة الأمور التريث فيه وعدم التعجل لأن ما زاد على ما يقتضيه درأ المفاسد وجلب المصالح الحاجية من تحديد الحرية يعد ظلما كما أشار إليه عمر بن الخطاب فيما رواه مالك في الموطأ أنه لما حمى الربذة قال لمولاه هني الهمداني الذي أولاه على الحمى :"وأيم الله إنهم (أي أهل الربذة من الأعراب النازلين قرب المدينة) ليرون أن قد ظلمتهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا" فتأكيده الكلام بالقسم بقوله: وأيم الله إنهم ليرون اني قد ظلمتهم مؤذن بأن لهم شبهة قوية في ظنهم أنه ظلمهم بما حمى عليهم من أرضهم" (الطاهر بن عاشور / أصول النظام الاجتماعي ص 167)
وعندما جاءت الشريعة أول مرة وجدت أمامها نظام الاسترقاق قائما بل وجدته نسيجا يغذي صيرورة الاقتصاد والإنتاج في نظام تلك المجتمعات" ولكن أدب الشريعة في رعي المصالح المشتركة وحفظ النظام وقف بها على ابطال العبودية بوجه عام وتعويضها بالحرية؛ وإطلاق العبيد من ربقة العبودية وإبطال أسباب تجدد العبودية مع ان ذلك يخدم مقصدها، كان ذلك التوقف من أجل أن نظام المجتمعات في كل قطر قائم على نظام الرق فكان العبيد عملة في الحقول وخدمة في المنازل والغروس ورعاة في الأنعام..
فكان الرقيق من أكبر الجماعات التي أقيم عليها النظام العائلي والاقتصادي لدى الأمم حين طرقتهم دعوة الإسلام. فلوجاء الإسلام بقلب ذلك النظام رأسا على عقب لانفرط عقد نظام المدينة انفراطا تعسر معه عودة انتظامه، فهذا موجب احجام الشريعة عن إبطال الرق الموجود…
وأما إحجامها عن إبطال تجدد الاسترقاق الذي هو الأسر في الحروب فلأن التي سبقت ظهور الإسلام قد استرقت من وقع في أسرها وخضع إلى قوتها وكان من أكبر مقاصد سياسة الإسلام إيقاف غلواء تلك والانتصاف للضعفاء من الأقوياء … فنظر الإسلام إلى طريق الجمع بين مقصديه: نشر الحرية وحفظ نظام العالم بأن سلط عوامل الحرية على عوامل العبودية مقاومة لها بتقليلها وعلاجا للباقي منها وذلك بإبطال أسباب كثيرة من أسباب الاسترقاق وقصره على سبب الأسر خاصة". (الطاهر بن عاشور مقاصد الشريعة.. ص 127-128 ).
والخلاصة: أن الحرية أثقل عبئا على الظالمين والجبابرة والمخادعين فلذلك ما فتئ هؤلاء منذ أقدم العصور يبتكرون الحيل للضغط على الحريات وتضييقها أو خنقها واستعانوا على ذلك الضغط برسوم الوثنية بانتماء الجبابرة والملوك إلى آلهة يختلقون أنها أباحت لهم الحكم في الناس ليكموا الأفواه عن الشكاية والضجيج. (بن عاشور مصدر سابق ص 160).