جدول المحتويات
ونزولا عند رغبة أستاذنا أحمد – وأنا فخور بأنه تذكرني في هذه السانحة – فإنني أود إبداء ملاحظاتي الشخصية على هذه الصحيفة الغراء – وهي تصدر عددها المائة – وهو أمر شبيه بالمعجزة في بلد ماتت فيه – أو تكاد – الصحف الورقية لأسباب وجيهة، منها انتشار الفضاءات الالكترونية، وسرعة تدفق المعلومات المرئية والمصورة والمسموعة، وعزوف الناس عن القراءة، وشح الموارد المالية، وضيق ذات يد ناشر ومحرر وكاتب وقارئ الصحيفة الورقية، واعتبارها بالنسبة للبعض وسيلة للأرشفة لا أقل ولا أكثر.
ـ هذه الصحيفة حباها الله بطاقم نظيف اليد لم يدخل أبدا مستنقعات الرذيلة المهنية، وهو طاقم قابض على الجمر (يبيت على الطوى ويظله حتى ينال به كريم "المصدر") وهو من أهم أسباب تألق الصحيفة وبقائها ومصداقيتها.
ـ مستوى اللغة في الصحيفة جيد، فهناك حرص ملحوظ على سلامة الحرف العربي، ولا غرو فمعظم عمال الصحيفة وكتابها والقائمين عليها من سدنة الحرف العربي، وشعرائه وخطبائه المفوهين.
– رغم المسحة السياسية "التيارية" للصحيفة فإنها لم تبتعد كثيرا عن محاولة نقل بعض الأخبار بمهنية وتجرد، وليس كل الأخبار طبعا فهناك أخبار يجب أن "لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها" وهي غالبا أخبار فوق كل المساطر المهنية المتداولة، وتمليها" إكراهات" المواقف والمواقع السياسية المحلية.
ـ يعاب على الصحيفة أن معظم كتاب أعمدة وزوايا الرأي فيها من نفس المدرسة السياسية الفكرية المرتبطة بالإخوان المسلمين، فلا تجد على صفحاتها رأيا مخالفا لرأيهم، أو اسما لا يمت لهم بصلة قريبة أو بعيدة، إلا إذا تعلق الأمر بتدوينة هامشية عابرة، وفى ركن قصي من صفحة ثانوية، ولمدون مغمور لا يضيف صفرا (إلا إلى اليسار) لأية أرقام سياسية أو فكرية أضيف إليها، ولو كنت منفتحا وصاحب قبول للرأي الآخر لقلت إن هذا يضر بالصحيفة ويخندقها ويبعد عنها القراء، خاصة غير المسيسين الباحثين فقط عن الخبر، لا عن التعليق عليه، أو الرأي المتعلق به.
ـ يحسب للصحيفة أنها حققت انتشارا لافتا رغم صعوبة الظروف المحيطة بها، وذلك لنضج الطاقم ومسؤوليته وشجاعته على فتح ملفات مثيرة ومسكوت عنها أحيانا، ونشر مقابلات مثيرة مع شخصيات وازنة في المشهد السياسي المحلي، ومن مختلف أطيافه ومكوناته السياسية والاجتماعية.
ـ يكتب بعض كتاب الرأي على الصحيفة بأساليب خشبية تقليدية، تميل إلى القاموسية لغويا وسياسيا، ما يجعلها بعيدة عن متناول أمثالي من العامة، الذين تربكهم الأساليب الأكاديمية، ويبحثون عن مقال بالعربية المفهومة، لاعن مضمار لاستعراض العضلات اللغوية، ونحت الألفاظ السياسية والفكرية من جدار مشهد يبحث أهله عن المعلومة البسيطة والخبر الصادق، أكثر من بحثهم عن ابن منظور والفارابي وأبى العتاهية وإخوان الصفاء، ومن المستحسن أن ينزل هؤلاء قليلا لمستوياتنا، لإشراكنا في أفكارهم النيرة، وذلك باستخدام لغة لا إفراط في قاموسيتها ولا تفريط في "مفهوميتها".
أتمنى لصحيفة "الأخبار" الجميلة خاصة من ناحية الشكل الفني، الاستمرار لنحتفل معها بمئويات قادمة، فهي يقينا – وبلا مجاملة – تستحق البقاء، فمهما كانت "المشكاة" السياسية والفكرية التي تخرج منها فإنها على أية حال مدرسة صحفية، تعتمد الصبر وقوة التحمل، والنظافة الأخلاقية والمادية للقائمين عليها، وأتمنى أن تحافظ على قوة تحملها لـ"النقد"، وصبرها على غياب "النقد"، وأوجه التحية لطاقمها الرائع الجميل الذي صمد بشجاعة لإعطائنا هذه "المائة حبة" من سنبلة صحفية غضة وطرية، نتمنى أن تبقى وتتمدد وتترسخ ظلالا وغلالا وعطاء لا يتوقف.
نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو" الأسبوعية