جدول المحتويات
وامتثالا لقوله تعالي: {يأيها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو علي أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولي بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا}، صدق الله العظيم، سورة النساء، الآية: 135؛
يسرني أن أقدم بعض الملاحظات بعد التذكير ببعض المعطيات إنصافا لمعالي وزير العدل ولقطع الطريق أمام تضليل الرأي العام الذي هو باعث البيان ومتنه:
أ . إن من تابع الحلقة وتداعياتها يفهم سر البيان؛ إذ احتج بعض القضاة المهنيين الصادقين في قناعاتهم والأوفياء لمتطلبات وظيفتهم (شكلا وجوهرا) على ظهور بعض أعضاء النادي كجمهور لا حراك به أو كومبارس لوزير العدل على حد تعبير القضاة الشرفاء المستقيلين من النادي!!!
ب . إن من تابع المؤتمر الصحفي للحكومة عقب اجتماع مجلس الوزراء يطالعه جواب معالي وزير العدل لأحد الصحفيين أنه لم يستدع أي عضو من المكتب التنفيذي للنادي و إنما حضر من حضر منهم تلبية لدعوة من التلفزة الوطنية!!! وقد صدق وزير العدل في هذا لأن نقيب المحامين امتنع عن الحضور في الظروف التي حضر فيها من حضر من النادي. ولم يلم من قبل الوزير أو من زملائه.
ج . إن من حضر أو تابع خطبة الجمعة في المسجد السعودي يفهم أن قضاة البيان الإعلامي اتصلوا بالمفتي وقدموا له معلومات تفيد أن ولي الأمر مس منهم ومن الشريعة الإسلامية الغراء؛ وبالتالي تصدي المفتي ولام ولي الأمر على هذا السلوك؛ الأمر الذي يستدعي عرض الملاحظات التالية:
1 . الباعث: قياما بالحق أمام المفتي بشكل خاص والمجموعة الوطنية بشكل عام نؤكد أن الباعث الحقيقي لهذا البيان هو استهجان القضاة واستقالة بعضهم من النادي احتجاجا على سلوك بعض زملائهم ولا ناقة لمعالي وزير العدل ولا جمل في الموضوع. أي أن النادي ليثبت استقلاليته عن السلطة التنفيذية وأهليته لأداء واجبه الأدبي اتجاه أعضاءه وليغطي على تصرفاته ـ التي لم تطلبها السلطة التنفيذية حسب ما أكده معالي وزير العدل ـ اتخذ من الوزير مشجبا علق عليه أخطاءه. بعبارة أخري كسب النادي خطيئة ورمي بها وزير العدل منتهكا قوله تعالي: {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا}، صدق الله العظيم.
وليس من العدل أن يحرم وزير العدل من العدل في القول والحكم.
2 . ليس حبيا اتجاه الوزير أن يخاطب من قبل محرري البيان بلغة التنكير(الرجل، السيد..).
3 . قلب المفاهيم: ذكر معالي الوزير ـ أو الرجل بلغة البيان ـ أنه لم يتصل مطلقا بأي قاض فلام عليه البيان ذلك. والصحيح أن الاتصال بقضاة الحكم وحتى بقضاة النيابة ـ ما عدا المدعي العام لدى المحكمة العليا ـ يعد خطأ جسيم وإخلال بالقواعد الأدبية والقانونية في الأنظمة القانونية القائمة على مبدأ فصل السلطات. وبالتالي على وزير العدل أن يتأكد عكسا لمشورة البيان أن الاتصال بالقضاة من قبل أي وزير أحرى وزير العدل يعد جريمة (تجاوز السلطة ضد الشيء العمومي) بلغة قانون العقوبات الموريتاني. وعلى الوزير إن فعل ذالك أن يستتر بستر الله لأن المجاهرة بالذنب التي يدعوه لها البيان جريمة لا تغتفر. وهنا يثبت خطأ البيان في فهم أحكام الشريعة الإسلامية التي تميز بين الذنب العادي والذنب المجاهر به وهيهات أن يفلح في فهم جنحة تجاوز السلطة ضد الشيء العمومي لأن قضاة النيابة العامة المتربعون (Abus d’autorité contre chose publique)على عرش نادي القضاة لم يتلقوا محاضرة في القانون الخاص أحرى القانون الجنائي.
4 . التصريح بالتقصير: كذب البيان معالي وزير العدل لما قال إنه لم يطلب منه أحد تقديم دليل على ما قال بذلك الخصوص.والواقع أن النادي ـ لا يعرف في ما يبدوا ـ واجباته اتجاه القضاة والتي من أوكدها الحرص علي مصالحهم الأدبية والدفاع عنهم لتحقيقها. وتلك المصالح تتصدرها استقلاليتهم التي تتعارض مع اتصال الوزير بهم أو اتصالهم به. ومن ثم يكون من صميم واجبات النادي السعي إلي معرفة من من القضاة يتصل بالوزير علي هذا النحو لأن سلوكه يلحق أذي بالغا بجميع القضاة والمتقاضين. ولكن النادي يبدوا مقصر تقصيرا مركبا لأنه مقصر ويجهل أيضا أنه مقصر.
5 . ادعاء إساءة الوزير للقضاة و للقطاع: اعتبر بيان النادي أن تصريح الوزير بأنه لم يستجب لاستجداء التدخل والتأثير الذي طلبه قضاة عديدون مباشرة أو عن طريق وسطاء إساءة بالغة للقضاة و للقطاع. والصحيح أن الوزير صدح بالحق الذي يشهد به المحامون الممارسون والقضاة المتعففون والحق أحق أن يتبع وما بعد الحق إلا الضلال. ألا يخالف وكيل الجمهورية بمحكمة ولاية انواكشوط الغربية والمدعي العام لدى الاستئناف والمدعي العام لدى المحكمة العليا يوميا القانون ويعطلون تنفيذ الأحكام ويلقون باللائمة على الرئيس والوزير؟؟
ألم يخاطبكم الوزير بمناسبة إحدى الورشات المخصصة للتنظيم القضائي وبحضور الجميع قائلا: إنه لم يستطع فهم سلوك بعض أعضاء النادي المدافعين عن إلغاء قاعدة التداول على الأحكام (أن تكون الأصوات تداولية)؛ لأنهم يؤكدون علنا أن المسؤولية في الحكم لا أهمية لها، ومع ذالك يتلقي يوميا عشرات منهم وعشرات الوسطاء عنهم تطالب بتعيينات في مواقع حكم؟؟
وطبعا لم ينكر أحدكم ولم يحتج بشطر كلمة. بعبارة أخري يريد بيان النادي من الوزير أن يتلقي الوسطاء وطلبات التعيين وإسداء المشورة (شم الفم، لكزانة) وأن يلعب معه اللعبة الأمنية السرية التي تحلوا له والتي يتقن. وهنا فعلا يكون الوزير في موقع الخطيئة لأن هذا هو غش الرعية الذي يجرمه الدين الحنيف إذ لا ينظر الله إلى مرتكبه يوم القيامة وتجرمه القوانين الوضعية فتسميه الخيانة. وعليه لم يسئ الوزير بهذا إلا إلى من أساء إلي نفسه. ومن أساء إلى نفسه فعليه أن لا يشتكي إلا إليها لان من أهم مبادئ القانون مبدأ أن الشخص لا يمكنه أن يشتكي من نفسه إلا إلى نفسه. ولكن الجميع يعرف مسبقا تكوين قضاة النيابة العامة الحاليين المتربعين على هرم النادي (المعددين أعلاه) وعدم انتساب أي منهم لقسم القانون الخاص في أي كلية حقوق على وجه الأرض.
6 . تلحين الوزير لمعزوفة المتغربين والادعاء على الوزير بأنه قال إن الخلفية الشرعية عائق في وجه الإصلاح: هنا يظهر الافتراء والتجني على وزير العدل إذ لم يقل الرجل كما يسميه البيان إن الخلفية الشرعية عائق في وجه الإصلاح. وإنما قال إن أغلب القضاة تكوينهم جيد في ميدان الأحوال الشخصية بحكم تكوينهم الشرعي ولديهم صعوبات في ميادين كالتأمين وقانون المصارف والأعمال. ومن ثم يتضح أن البيان جانب الصدق إذ تقول على الرجل كما يسميه البيان. ولن أفوت هذه الفرصة لأسأل الوزير: معالي الوزير هل تتوقع من قضاة النيابة المعددين أعلاه أن يعدلوا مع زينب أو أم الخير أو بركة أو سيد الأمين إذا كانوا لم يعدلوا معكم أنتم في القول ولا في الحكم؟ بل أكثر من ذالك لم يعدلوا مع الشريعة الإسلامية التي لا يعرفون قطعا غيرها؛ إذ لا يمكنهم أن يماروا في أن الشريعة الإسلامية تحرم عمليات التأمين و عمليات المصارف وأغلب فروع قانون الأعمال لأنها عمليات مهنية مستوحاة من ممارسات تجارية آنكلوسكسونية محاربة للشريعة الإسلامية.
وبالتالي يطرح السؤال التالي نفسه: كيف يمكن التوفيق بين التكوين الشرعي الذي يهيئ صاحبه للالتزام الشرعي والتشبث بسورة البقرة من جهة و السعي إلي تطبيق قوانين تخالف شرع الله من جهة أخري؟ أليس من حق الوزير أن يعول على جبلة أن من جهل شيء عاداه ومن ثم لا يصلح القاضي ذي الخلفية الشرعية لتطبيق قوانين في حالة تنافر مع خلفيته أو على الأقل ليست نموذجية بالنسبة لها؟ أم أن هذه الجبلة الإنسانية يجب أن تقلب فيكون من جهل شيئا أحبه إرضاء لبيان النادي؟؟
هل سيخفي على الوزير أن من لم يخش الله يجب أن لا يخشاه هو ولا غيره؟ فخشية الله والنصح مع الحاكم تقتضي التصريح باستهجان طلبات التعيين في المناصب والازدواج وعدم انسجام الظاهر مع الباطن واستحضار أن الجهل سبب من أسباب تحريم القضاء علي الشخص وأن الصدق شرط في كل الوظائف الإدارية أما في القضاء فهو عموده. وليس من الصدق ولا من النزاهة أن ينسب بيان منسوب إلي نادي للقضاة إلي وزير العدل الجزم بأن الشريعة الإسلامية عائق في وجه الإصلاح لأنه لم يقل هذا بالمرة.
أما الشريعة الإسلامية فلا يستقيم الاحتجاج بها من قبل قضاة النيابة العامة المعددين أعلاه لأنها ستكون يوم الدين حجة عليهم لأنهم يعطلونها يوميا من خلال تعطيلهم تنفيذ الأحكام القضائية وخيانتهم للدعوى العمومية (عدم ممارستها في منتصف الطريق) وادعائهم معرفة القانون التجاري والقانون الجنائي للأعمال وهم يجهلونه قدر تجاهلهم ليمين وظيفة القضاء فحق عليهم قوله تعالي: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم}، صدق الله العظيم، آل عمران، الآية: 77.
وفي النهاية نذكر النادي بأن كافة مكونات القطاع لم تعتبر الوزير أساء إليها عكسا لما ورد في البيان ولم تفوض النادي للتعبير عن احتجاجها على إساءة الوزير إليها ونذكره أن ممارسات القائمين عليه والمؤسسين له جعلت منه جزءا من مشكل القضاء وليس أداة للحل. وسأكتفي بتقديم مثالين علي الدور المدمر الذي يلعبه قضاة النيابة العامة الممسكين والمؤسسين للنادي:
1 ـ أصدرت المحكمة العليا قرارا بالحجز التحفظي على 30% من رأس مال شركة صينية ونفذت النيابة العامة القرار في انواذيبو وسلم المصنع إلى المستثمرين الصينيين الساعة الثانية عشرة بواسطة العدل المنفذ وفرقة الدرك البحري بانواذيبو وعلى تمام الساعة الحادية عشرة ليلا أمر المدعي العام لدى المحكمة العليا نفس فرقة الدرك أن تعيد المصنع إلى التاجر الموريتاني!! وطبعا لم يستنكر النادي المحترم الحريص على استقلال القضاء والانتصار للشريعة الإسلامية المطاعة!
2 ـ بقي قرار المحكمة العليا الصادر لصالح المستثمرين الصينيين معطل التنفيذ لأن المدعي العام لدى المحكمة العليا يريد تفسير مصطلح رأس المال الوارد في قرار المحكمة العليا. ونحن نتفهم أن هذا قد يطرح إشكالا للمدعي العام لأنه لم يتلق يوما درسا في القانون التجاري لأنه لم يتبع لأي قسم من أقسام القانون الخاص في كليات الحقوق التي في البلاد الواسعة. وطبعا لم ينفذ قرار المحكمة العليا إلا إثر تدخل السلطة العليا وتأكيدها أن القانون فوق الجميع وأن الرئاسة لا قرابة ولا مصاهرة لها مع أحد.
وطبعا لم يستنكر النادي هذه التصرفات المشينة رغم علمه بها، بل مسؤوليته عنها.
3 ـ أصدرت المحكمة العليا قرارات فاضحة (قبل ولاية الرئيس الحالي للمحكمة العليا) ولم يقم المدعي العام لدي المحكمة العليا بالطعن فيها رغم أنها تهدد النظام العام وتقضي على الوحدة الوطنية. فقد نص القرار على أن المتعاملين إذا لم يكونوا زوايا فلا يفترض في تعاملهم الصحة لأنه لم يعرف عن آبائهم تحاشي الحرام المجمع عليه. بعبارة أخري أنها لا تعترف للحراطين ولا الزنوج بالشخصية القانونية مطلقا وتنكر على العرب المساواة مع الزوايا. ولم يقم المدعي العام لدي المحكمة العليا بطعن لصالح القانون في ذلك ولم يستنكر النادي أو يستهجن سلوك المدعي العام لدى المحكمة العليا.
4 ـ لدى مكتبنا ومكاتب الزملاء الآخرين أحكام صادرة عن الدوائر المجمعة بالمحكمة العليا يمتنع قضاة النيابة العامة عن تنفيذها أي أنهم يحتقرون المحكمة العليا ويقللون من قيمتها ومع ذلك يتحدثون في البيان الحالي عن استقلال القضاء ويتهمون الوزير بمصادرة صلاحيات المحكمة العليا التي خولها القانون الرقابة علي الأحكام. مما يطرح السؤال أيهما أكثر مساسا باستقلال القضاء وهيبته: عدم تنفيذ وكيل الجمهورية بانواكشوط والمدعي العام لدي المحكمة العليا لقرارات الدوائر المجمعة بالمحكمة العليا أم تصريح وزير العدل بأن القضاة ذوي التكوين الشرعي ليسوا مؤهلين للحكم في قضايا تنظر إليها الشريعة الإسلامية نفسها بنوع من الريبة؟؟
وطبعا هذه أمثلة بسيطة وغيض من فيض سأبسطه للمهتمين بالقانون وأصحاب القرار السياسي إذا تجرأ النادي فرد على هذا البيان.
نعم للفصل بين مصالح بعض القضاة ومصالح القضاء
نعم لاستقلالية القضاء عن أهواء ومصالح ممارسيه قبل استقلاله عن السلطة التنفيذية وعن غيرها.
نعم لقضاء تعلوه المحكمة العليا ولا تعلوه وكالة الجمهورية بمحكمة الولاية التي هي الأدنى في السلم القضائي في جميع دول العالم.