تخطى الى المحتوى

ثقافة الاعتراف المتبادل: الجمود على النص

جدول المحتويات

 

فقدت المعارضة تماسكها وتوزعت شيعا لكل منها تأويله ومنهجه السياسي المناسب لمرحلة ما بعد ولد الطائع فهناك من أيد إزاحته والتوجه السياسي الجديد علنا وهناك من أيد من تحت الطاولة وهناك من جمع بين المعارضة والموالاة سرا ولما أطيح بالرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله ــ ضمن المسار السياسي المعروف ـــ حاولت المعارضة جمع كلمتها لكنها فشلت لتفقد تماسكها مجددا وتتوزع بين معارض لمحمد ولد عبد العزيز ومؤيد له وجامع بين التأييد والمعارضة بطريقته الخاصة ولما أصبح ترشح محمد ولد عبد العزيز وتأثيره السياسي الوازن أمرا لا مناص منه وحدت المعارضة كلمتها من جديد ووضعت شروطها التعجيزية المعروفة فقبل ولد عبد العزيز بكل تلك الشروط ووفى بها ولما أزفت ساعة الانتخابات لوحت بالمقاطعة ثم شاركت مشككة ثم شككت في النتائج ثم اعترفت بها.

 

تلقت المعارضة الربيع العربي وكأنه هبة من السماء ففشل الربيع العربي فشلا ذريعا في إسقاط النظام انتزع الرئيس محمد ولد عبد العزيز الخطاب السياسي الذي طالما عبأت المعارضة مناضليها انطلاقا منه حيث قطع العلاقات مع إسرائيل وتبني الخطاب الإسلامي بحيثياته العلمية والفكرية والسياسية.

 

وعمل على معالجة ملف الرق والإرث الإنسانيي وأعلن الحرب على الفساد والمفسدين وأصبح يعلن في كل مناسبة اتيحت له أن المعارضة شريك سياسي محترم كما استفادت المعارضة في عهده من الفضاء الإعلامي الحر الذي أتاحه تعدد وسائل الإعلام المستقلة.

 

بعد أن انتزع محمد ولد عبد العزيز من المعارضة خطابها السياسي دخل معها استحقاقا انتخابيا رئاسيا جديدا توزعت خلاله بين مقاطع مراهن على فشل العملية وطنيا ودوليا ومشارك.

 

سقط رهان المعارضة وطنيا ودوليا حيث صوت الكثير من مناضليها للمرشح محمد ولد عبد العزيز كما شارك حزب تواصل الإسلامي في الانتخابات وهو أهم حزب وطني معارض من حيث التنظيم والتماسك السياسي فكانت نتيجة كل ذلك اعتراف عبر صناديق الاقتراع بشرعية انتخاب محمد ولد عبد العزيز رئيسا لكل الموريتانيين.

 

 مقترحات لتجاوز الأزمة

نعود مرة أخرى إلى المثل الشعبي "اسمع اكلام امبكينك لا تسمع اكلام امظحكينك" لنقول للمعارضة إن كلما بسطنا سابقا يعبر عن أزمة حقيقية تعيشها وبداية علاج الداء الاعتراف بوجوده.

 

يمكن لمعارضتنا الوطنية أن تبدأ في تجاوز أزمتها السياسية وذلك من خلال:

–         تبني سياسة المراجعة والنقد الذاتي من خلال مراجعة شاملة لمسارها السياسي وإستراتجيتها.

–         التخلي بصفة نهائية عن الخطاب السياسي القائم على تجريم وتخوين المؤسسة العسكرية بتبني خطاب بديل يقوم على المرونة والأخوة والاحترام لأن صراع المعارضة مع المؤسسة العسكرية لا يفضي إلا إلى الانقلابات العسكرية وما يرتبط بها من هزات سياسية ووحروب وفتن مآلاتها نشاهدها ولن يحقق للأمة أي مكسب.

–         الاعتراف بما أنجز النظام الحالي ولو كان قليلا في نظر المعارضة وتجاوز عقدة التعاطي السلبي مع تلك الإنجازات.

–         بناء خطاب سياسي جديد يتسم بالواقعية والاستجابة لمطالب المواطن اليومية يقوم على المشاركة والتفاعل الإيجابي مع المجتمع ومع النظام السياسي القائم لا على الصراع يهدف إلى إصلاح النظام لا إسقاطه لأن الإسقاط لا يمكن إلا بالثورة أو الانقلاب وكلاهما خطر على كيان الدولة وبنية الأمة الموريتانية.

 

إن إعلان المعارضة (أي معارضة) الحرب على النظام (أي نظام سياسي) وتجريمه بدلا من الاعتراف به وبما لديه من حسنات ــ ولو قليلة يحول مسار الممارسة السياسية بين الطرفين (الموالاة والمعارضة) من تنافس إيجابي قائم على مراعاة مصالح الشعب إلى فتنة كما يزيد الأنظمة تشبثا بالسلطة ولو اقتضي ذلك وأد الديمقراطية والتضحية بها في سبيل بقاء النظام لأن المعادلة ستكون على شكل قاتل أو مقتول ولا أحد يرغب في أن يكون المقتول.

 

إن اعتراف المعارضة بما للنظام من حسنات سيضفي المصداقية على خطابها السياسي ويزيد من قناعات الناس بأنها تعارض سياسات لا أشخاصا إضافة إلى أنه يخلق لدى النظام اطمئنانا بأنه ينافس قوى سياسية مأمونة الشر ولا خوف عليه من وصولها للسلطة.

 

من هنا فإن أول خطوات بناء الثقة السياسية بين المعارضة والنظام وبين المعارضة والشعب هي اعتراف المعارضة الموريتانية بما حقق النظام من إنجازات ولو كانت قليلة بالنسبة للمعارضة وتعرف المعارضة أن ذلك لا يعني انتقاد السلبي من سياسات النظام ومطالبته بإنجاز المزيد إذ بدون بناء هذه الثقة تبقى الصورة العالقة في أذهان المواطنين أنها لا تعارض مشاريع مجتمعية وإنما تريد أخذ ثارات وتعارض أشخاصا ومن الإنصاف أن يعترف الموريتانيون للرئيس محمد ولد عبد العزيز بما حقق من إنجازات ومن تلك الإنجازات:

–         تحسين ظروف منتسبي المؤسسة العسكرية وتزويدها بالعتاد والبنى التحتية اللازمة مما مكنها من بسط النفوذ وإشاعة الأمن على كامل الحوزة الترابية للجمهورية كما تمكنت بفضل ظروفها الجديدة الجيدة من إلحاق ضربات موجعة بقوى الإرهاب ومطاردتها خارج حدود البلاد وتتمتع بلادنا اليوم ولله الحمد والمنة بجيش وطني له مكانته وهيبته على المستوى الوطني والإقليمي.

 

–         بناء ثقافة التسامح وتقبل الآخر: يتميز الرئيس محمد ولد عبد العزيز بالتسامح وعدم الحقد وتصفية الحسابات مع معارضيه ولعل استقلاله وإيمانه برفض الإملاءات الخارجية واستنساخ التجارب الفاشلة في التعامل مع المعارضين هي التي جعلته يخرج على إجماع النظام العربي الرسمي الذي يعادي كل ما هو إسلامي، ولهذا فإن الحركة الإسلامية ذات التوجه الديمقراطي المبني على الوسطية وتقبل الآخر تشارك اليوم بحيوية وفعالية في عهد ولد عبد العزيز وتغني المسار السياسي الوطني من خلال حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية وقد ساعد هذا التوجه السياسي الوطني الحكيم الذي يطبع علاقات نظامنا السياسي بإسلاميينا من تجنيب بلادنا ويلات الاقتتال والفتنة التي تعاني منها العديد من الدول العربية.

 

–         في مجال الوحدة الوطنية: تزامن وصول الرئيس محمد ولد عبد العزيز إلى السلطة مع لحظة بلغ فيها السيل الزبى فقد خلفت أحداث 1966 و1987 و1998 وما نتج عنها من تجاذبات عرقية وصراعات قومية واتهامات دولية وتخوين متبادل جراحا عميقة وقللت من فرص السلم الأهلي والانسجام الاجتماعي وقد تلافى الرجل الموقف من خلال إجراءات عملية أعطت نتائج إيجابية تمثلت في تعويض الضحايا والشروع في تنفيذ سياسة وطنية تعالج الإرث الإنساني ومخلفات الرق قانونيا واقتصاديا واجتماعيا وتتعاطى مع كل متعلقات الوحدة الوطنية بصفة شفافة وإيجابية.

 

–         في مجال محاربة الفقر والتهميش الاقتصادي والاجتماعي: أذكر كل الموريتانيين بمثال واحد لم تعترف به المعارضة وهو مثال يشهد على نفسه بنفسه هو القضاء على أحزمة الفقر أو أحياء الصفيح (الكبات) فقد كان من نتائج موجة الجفاف التي عرفتها موريتانيا في سبعينيات القرن الماضي نزوح آلاف المواطنين إلى كبريات المدن بحثا عن منافذ للعيش تعوضهم خسارة الوسط الرعوي والريفي الذي دمرته موجة الجفاف وقد عجزت الدولة عن استيعاب أولئك المهاجرين المنكوبين فشكلوا زوائد سكنية (أحزمة فقر) تحيط بكبريات المدن وتضفي عليها مسحة بؤس وفقر وتكبح جماح تطورها ونموها.

 

 

إن حل مشكلة أحياء الانتظار من خلال ما عرف بأحياء الترحيل إنجاز لا يعترف بمدى أهميته وقيمته إلا من عاش بؤس حياة الكبات وأحياء الانتظار التي جسدت كل أشكال الإقصاء والتهميش والحرمان.

 

ولقد رصدت الدولة في عهد الرئيس محمد ولد عبد العزيز لهذا المشروع ما يكفي من المال لتغطية تكاليف البنى التحتية من استصلاح للقطع الأرضية والشوارع والإنارة والمدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه.

 

–         مكانة خاصة للإسلام: الإسلام هو الموجه الأساسي لبوصلة الشعب الموريتاني وهو الضامن لوحدته بإذن الله وقد حظي بمكانة خاصة في عهد الرئيس محمد ولد عبد العزيز وذلك من خلال إنجازات إسلامية حقيقية ذات بعد إستراتيجي منها على سبيل المثال لا الحصر: "طباعة أول مصحف موريتاني، وتخصيص رواتب محترمة لمئات أئمة ومشايخ المحاظر، وبناء عشرات المساجد والدعم المضطرد للمحاظر والمعاهد الإسلامية، وإنشاء جامعة خاصة بالعلوم والتخصصات الإسلامية، وإنشاء إذاعة وقناة تلفزيونية لبث القرآن الكريم وعلومه الشريفة، وبث المقررات المحظرية الموريتانية من قرآن وفقه ونحو وصرف وبلاغة وسيرة نبوية شريفة.

 

–         عودة موريتانيا إلى المشهد الدولي بصفة محترمة وفاعلة: وصل الرئيس محمد ولد عبد العزيز إلى الحكم في موريتانيا وهي في وضع دبلوماسي سمته العزلة عربيا وإفريقيا مع الحالة السياسية الصادمة المتمثلة في علاقات دبلوماسية غير مبررة مع إسرائيل فأعادها إلى الصدارة عربيا وإفريقيا إلى درجة أن أصبحت انواكشوط عاصمة الملفات الإفريقية الكبرى وقد تجلى حصاد هذا الجهد الدبلوماسي في حصول موريتانيا على رئاسة الاتحاد الإفريقي.

 

أما بالنسبة للعلاقات الموريتانية مع الكيان الصهيوني فقد قطع الرجل الشك باليقين حينما أعلن في قمة الدوحة الطارئة التي انعقدت إبان اعتداء إسرائيل الغاشم على غزة عن تجميد العلاقات الدبلوماسية مع الكيان، وقد كان هذا القرار الجريء صبيحة الجمعة 16 يناير 2009، وقد مضى قدما في تحدي الضغوط الدولية الداعمة كعادتها لإسرائيل معلنا تحطيم حاجز الخوف والتردد والتبعية الدبلوماسية من خلال إعلان وزيرة خارجيته الناها منت مكناس يوم السبت 20 مارس 2010 عن قطع كامل للعلاقات الدبلوماسية مع العدو الإسرائيلي، وستبقى مشاهد الجرافات الموريتانية وهي تزيح المتاريس التي نصبها الإسرائيليون أمام سفارتهم في انواكشوط مثالا صارخا وشاهدا حيا على شجاعة الرئيس محمد ولد عبد العزيز وجرأته، ومن الملاحظ أن هذا القرار الوطني الحضاري الذي كان واسطة عقد العريضة المطلبية لقوى المعارضة في عهد الرئيس معاوية ولد سيد أحمد ولد الطائع لم يحظ بأي دعم أو تثمين من طرف تلك المعارضة.

 

يتواصل.

الأحدث