تخطى الى المحتوى

عدم شرعية نقل المحبوسين احتياطيا إلى بئر أم اكرين

جدول المحتويات

دوريا عن المنظمات المتخصصة ولذلك فمن واجب الموريتانيين التعاون على تكريس ثقافة حقوق الإنسان.. وعندما تتمكن مضادات المجتمع المدني من كبح جماح التجاوزات يمكن أن نستبشر ببداية تشكل مناعة حقوقية قد تتعاظم لتكون ظهيرا للقانون وسندا للمظلومين في مواجهة التعسف الذي لا يخدم أحدا.
وفي هذا السياق كتبت هذا المقال بعد أن تناقلت الأنباء عزم السلطات نقل بعض المحبوسين احتياطيا من العاصمة انواكشوط إلى بئر أم اكـرين ومع أنني أتشكك في صحة الخبر إلا أنني ارتأيت افتراض صحته لبيان أسباب عدم شرعية الإجراء الذي جاء بعد أسابيع من مصادقة مجلس الوزراء على مشروع القانون المتعلق بإنشاء الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب (بتاريخ 26 فبراير 2015).
-II-
إن من حق المتهمين والمدانين أن يعاملوا وفق الضوابط المقررة في القانون دون تحامل أو إساءة وبغض النظر عن التهم الموجهة إليهم ولذلك يعتبر تعسفا نقل المحبوسين احتياطيا من انواكشوط إلى بئر أم اكرين أو غيره وأستند في هذا الرأي على خمسة أسس قانونية أتدرج في استعراضها حيث أبدأ بالمقتضيات الدستورية فالقوانين النظامية فالإتفاقيات الدولية ثم القوانين الإجرائية قبل أن أنزل إلى مقتضيات المراسيم المنظمة لمؤسسات السجن.
1. فمن المنظور الدستوري:
تنص 13 من دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية على ما يلي:
"يعتبر كل شخص بريئا حتى تثبت إدانته من قبل هيئة قضائية شرعية.
لا يتابع أحد، أو يوقف، أو يعتقل، أو يعاقب، إلا في الحالات وطبق الإجراءات التي ينص علها القانون.
تضمن الدولة شرف المواطن وحياته الخاصة وحرمة شخصه ومسكنه ومراسلاته.
يمنع كل شكل من أشكال العنف المعنوي والجسدي."
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (ذي القيمة الدستورية لإعلان الشعب الموريتاني تمسكه به في ديباجة الدستور) في مادته التاسعة على أنه:
"لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً"،
وتردف المادة العاشرة من نفس الإعلان: "لكل إنسان الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه."
ويستخلص من هذه المواد أن الشخص يعتبر بريئا ما لم تقرر المحاكم إدانته وأن الدولة تضمن شرفه وتمنع أشكال العنف المعنوي والجسدي الذي يطاله وتلتزم بأن توفر له محاكمة عادلة تتوفر فيها الضمانات وأنه لا يجوز نفيه بطريقة تعسفية.
2. ومن منظور القانون النظامي:
تنص الفقرة 3 من المادة 7 من التنظيم القضائي (الأمر القانوني رقم 012-2007 بتاريخ 8 فبراير 2007)، على ما يلي:
"لا يجوز فصل أي أحد عن قضاته الطبيعيين.
للمحاكم المنصوص عليها في القانون وحدها أن تصدر الإدانات."
ومقتضى هذه المادة أن للشخص أيا كان الحق في أن يكون في عهدة قاض هو قاضيه الطبيعي الذي ينصفه عندما يكون مدعيا أو مدعى عليه أو متهما ولذلك قرر المشرع الموريتاني عدم جواز فصل الشخص عن قضاته الطبيعيين وأن المحاكم المختصة وحدها هي التي تصدر الإدانات مما يعني أن الشخص لا يمكن أن يحاكم إلا من طرف المحكمة المختصة في نظر قضيته.
 
3. ومن منظور الإلتزامات المكرسة في الإتفاقيات الدولىة:
ينص البروتوكول الإختياري لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب – الذي صادقت عليه موريتانيا – في مادته الأولى على أن "الهدف من البروتوكول هو إنشاء نظام قوامه زيارات منتظمة تضطلع بها هيئات دولية ووطنية مستقلة للأماكن التي يحرم فيها الأشخاص من حريتهم، وذلك بغية منع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة."
كما تنص المادة 20 من نفس البروتوكول على أنه: "لتمكين الآليات الوقائية الوطنية من أداء ولايتها، تتعهد الدول الأطراف في هذا البروتوكول بأن تتيح لها ما يلي: أ. الحصول على جميع المعلومات المتعلقة بعدد الأشخاص المحرومين من حريتهم الموجودين في أماكن الاحتجاز كما هو محدد في المادة 4، فضلا عن عدد هذه الأماكن ومواقعها..".
ومقتضى المادتين أعلاه هو التزام الدولة بأن تيسر زيارات الهيئات الدولية والوطنية للسجون وأماكن الإحتجاز وأن تبين عددها ومواقعها ونزلاءها للهيئة المستقلة المتوقعة في إطار الآلية الوطنية للمنع من التعذيب (MNP)، (والتي اقترحت في مقال سابق أن توكل للجنة الوطنية لحقوق الإنسان، بعد تغيير نظامها وتأهيلها).
 
4. ومن منظور القوانين الإجرائية:
تنص المادة 2 من التنظيم القضائي (الأمر القانوني رقم: 012-2007 بتاريخ 8 فبراير 2007) على أنه:
"يحدد مقر ودائرة اختصاص المحاكم بواسطة مرسوم صادر عن مجلس الوزراء بناء على تقرير من وزير العدل باستثناء المحكمة العليا التي يوجد مقرها بنواكشوط ويمتد اختصاصها على كامل التراب الوطني."
وتنص المادة 139 من قانون الإجراءات الجنائية (الأمر القانوني رقم 2007-036 بتاريخ 17 ابريل 2007)، على ما يلي: "في جميع حالات الحبس الإحتياطي فإن قاضي التحقيق ملزم بأن يعجل إجراءات التحقيق في أسرع وقت ممكن وهو مسؤول عن كل إهمال يمكن أن يؤخر بدون جدوى التحقيق ويطيل مدة الحبس الإحتياطي تحت طائلة التعرض لمخاصمة القضاة.."
وتعقيبا يتبين أن لكل محكمة عهدة ترابية خاصة وأن محاكم انواكشوط – باستثناء المحكمة العليا – تبت ضمن دوائرها الترابية المحدودة ولا يمتد اختصاصها إلى دوائر محاكم الداخل وأن القانون أوجب على القضاة تعجيل إجراءات التحقيق كي لا تطول مدة الحبس الإحتياطي.
 
5. ومن منظور تنظيم السجون:
تنص المادة 3 من المرسوم رقم 70-153 الصادر بتاريخ 23 مايو 1970 المحدد للنظام الداخلي للمؤسسات السجنية على ما يلي: "يعتقل المتهمون الموجودون في حبس احتياطي طبقا لما في المذكرة القضائية المتعلقة بهم، ويكون ذلك في دار حبس بالبلدة التي تلتئم فيها محكمة التحقيق أو محكمة الحكم التي يترتب مثولهم أمامها".


أما عملية التحويل المنصوص عليها في المادة 88 من المرسوم فيجب أن تكون بأمر من السلطة (القضائية) المختصة طبقا لمادته 90 التي يجب عليها أن تعطي كل التعليمات الكفيلة بضمان عودة المعني إلى سجنه في أقصر الآجال (المادة 91).


وتتضافر المقتضيات التنظيمية مع النصوص التشريعية المثارة أعلاه لتكرس، بصورة لا لبس فيها، توقيف الشخص المحبوس احتياطيا في مكان التحقيق معه ومحاكمته.
-III-
وجملة القول أنه بالإستناد للأسباب القانونية المثارة أعلاه وبحكم معطيات الواقع الجغرافي لبئر أم اكرين كمقاطعة تقع في أقصى شمال ولاية تيرس زمور وتبعد عن انواكشوط أكثر من ألف كيلومتر وعن (ازويرات) عاصمة الولاية أكثر من أربعمائة كلمتر ولكونها واقعة ضمن دائرة محكمة ولاية تيرس زمور (في مستوى الدرجة الإبتدائية) وفي نطاق دائرة محكمة استئناف انواذيبو فمن غـيـر الوارد إحالة المتهمين الذين هم في عهدة محاكم انواكشوط إليها.. خاصة إذا علمنا أن الأشخاص الذين يتم إيقافهم في مقاطعة بئر أم اكرين نفسها يقتادون إلى النيابة العامة في ازويرات ويوقفون في سجنها (غير الملائم) فكيف ينقل المتابعون في قضايا تعهدت فيها محاكم انواكشوط إلى سجن يقع في بئر أم اكرين وكيف سيتم استخراج الموقوفين لاستجوابهم ومحاكمتهم والإفراج عنهم.. وكيف سيزورهم ذووهم والمحامون المدافعون عنهم.. ولماذا تتكبد الدولة المصاريف لإمضاء هذا الإجراء التعسفي.. ولم لا نسمع عن أوامر قضائية بمنعه إن صح.. وأنى للجنة الفرعية لمنع التعذيب المنشأة في إطار الآلية الأممية أن تصل لسجن بئر أم اكرين؟


لقد تغيرت الظروف وتطورت الأساليب ولم يعد من المقبول اعتقال الأشخاص ونفيهم دون مراعاة الضوابط القانونية والمساطر التي تحظر ضروب المعاملة المهينة وبينما تسعى الدول لتطوير إجراءاتها والرفع من مستوى سجونها كي تتطابق مع المعايير الدولية وبعد مصادقة موريتانيا على البروتوكول الإختياري لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب المعتمد من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 18 دجنبر 2002 (في قرارها رقم: A/RES/57/199)، لا يجوز أن تباشر الدولة الموريتانية (سواء أكانت ممثلة في سلطتها التنفيذية أو القضائية) إجراءات تخرق النصوص القانونية وتخل بالتعهدات الدولية.
 

الأحدث