جدول المحتويات
أو لست ترى أكثرهم يتخذ من حجة عدم التخندق ذريعة يرد بها كل حق وينتقد من خلالها كل موقف، وحجته في ذلك واحدة ثابتة "إنا قد نهينا عن التخندق" .
ولئن كان رفض التعصب من المسلمات التي تواطأت عليها عقول الأصحاء فإن من المهم الإنتباه إلى جملة أمور:
أولها: تدقيق المفاهيم: فثمة بون شاسع بين التخندق باعتباره حجة عمياء تعمي صاحبها عن فضل غيره وتوقعه في الغرور بما يعتقد، وبين الانتماء باعتباره قناعة فكرية تتأسس على بنيان من الإيمان بالرأي وإنصاف المخالف، والعمل من أجل فكرة يرى صاحبها رأيه صوابا يحتمل الخطأ، ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب، وتحقيق مناط المفاهيم يعصم من الوقوع في سلبية التعصب الأعمى وحماقة التسيب الفج، فليس من العيب أن ندافع عن ولاءاتنا بالحجج الناهضة، كما ليس من المحامد أن أنرفع دائما شعار لا للإنتماء.
ما يجب أن نصل إليه هنا مسلمة بسيطة هو أن القناعة بمنهج أو فكرة لا يستصحب الاتصاف بالتعصب، كما أن رفع شعار الاستقلالية لا يقتضي الاتصاف بالإنصاف دوما.
وثانيها: أن الشجاعة في إبداء الرأي محمدة لاينالها المتسترون خلف هوياتهم في الغالب الأعم، فأصحاب الضمائر المستترة يميلون دوما إلى التعميم في الأحكام، والمصادرات المهلهلة، كماأن الجرأة في قبول الرأي المخالف فضيلة قل من يتسم بها من ذوي الإنتماء، وليس بمقدور الطرفين التعايش ما لم يتفقا على كلمة سواء، تصان بموجبها الحقيقة وتحدد آليات التحاجج ويرفع شان الإنصاف.
وثالثها: ضرورة التحليق بمستوى التعاطي بين الفرقاء ذلك أن المتابع للساحة الثقافية والفكرية عندنا لا يكاد يظفر إلا بالقشور، فهي ساحة ابتليت بالاجترار وبالحدية في التعاطي، وبالنزول إلى القاع والعزوف عن الجدال بالتي هي أحسن، والأدهى والأمر أن أجندة النقاش خالية من قضايانا الوطنية الكبرى… خالية من النقاش العلمي المؤسس…
فهل من سبيل للوصول إلى جو فكري يعتز الناس فيه بانتمائهم دون تعصب، ويفصحون عن "ضمائرهم" دون مواربة، ويستثمرون اختلافهم في نقاش قضاياهم دون التلهي ببنيات الطريق؟.
نقلا عن صحيفة الأخبار إنفو