جدول المحتويات
فالدين قائم على العبودية لله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).(الذاريات الآية56).أما الحرية فهي نقيض للعبودية وقد دعا هذا الفهم بعض المسلمين إلى القول بأنه لا حرية في الإسلام ومن أبرز من قال بهذا الرأي حزب التحرير الإسلامي غير أننا إذا دققنا في الأمر نجد أن الإسلام قائم على التكليف (إني جاعل في الأرض خليفة)(البقرة الآية30).وهذا التكليف مشروط بعاملين هما العقل والحرية فالحرية مناط التكليف كما يقول أهل أصول الفقه.(راشد الغنوشي-الديمقراطية وحقوق الإنسان.ص153).
- الحرية والاستخلاف والتكريم
أسست نصوص القرآن الكريم لجعل الفعل الإنساني حرا مريدا قائما على الاختيار الذاتي حتى في العقيدة الإسلامية التي حث القرآن على تأسيسها عقليا ومعرفيا استنادا إلى الحجة والبرهان والاستدلال اليقيني رافضا تأسيسها على التقليد والإرث، وحرر القرآن فعل الإنسان وإرادته، فيما يتعلق بالإيمان، قال تعالى: (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) (الكهف الآية 29).(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي).(البقرة الآية256)وفي سورة يونس (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (يونس 99). ومن هنا فإن الحرية شرط أساسي للتدين مما ينفي أي تعارض بين العبودية لله والحرية الإنسانية في الإرادة والاختيار إذ هي أساس التكليف وكماله، إذ يفرض الرق وهو سلب الحرية عجزا حكميا يخفف التكاليف الشرعية عن العبيد.(راشد الغنوشي-الديمقراطية وحقوق الإنسان. بتصرف.ص155).
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ويقول الله تعالى:( إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ويقول: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا).
أخرج البخاري رحمه الله : عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : أي الناس أكرم ؟ قال : " أكرمهم عند الله أتقاهم " قالوا : ليس عن هذا نسألك . قال : " فأكرم الناس يوسف نبي الله ، ابن نبي الله ، ابن خليل الله " . قالوا : ليس عن هذا نسألك . قال : " فعن معادن العرب تسألوني ؟ " قالوا : نعم . قال : " فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا " .
وكشف القرآن عن مقصود متأصل في رسالة الإسلام يتعلق بالتكريم والتحرير ورفع الإصر والحرج قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.(الأعراف الآية 156-157).
يقول علامة فقه المقاصد في هذا العصر الدكتور أحمد الريسوني : "لقد جاء الإسلام برسالة تحريرية على كافة الأصعدة وفي مقدمتها صعيد الفكر والفهم والعلم والتدين وإذا كنا لا نجد في الإسلام مصطلح الحرية فإننا نجد الإسلام مليئا بمعاني الحرية وبالقواعد المؤسسة للحرية وبالقيم والتوجيهات الداعمة للحرية.( الريسوني مقال مجلة اسلامية المعرفة ص9-22 بتاريخ 2003 العددان 31-32).
- الإسلام تحرير للإرادة:
كرست تعاليم الدين وعباداته تعاليمها لتحرير إرادة الإنسان كي يعبد الله وحده لا شريك له وهو ما لا يتم إلا بتحرير القصد فالعبادة مظهر من مظاهر الحرية وتقوية إرادة الإنسان فالصيام امتناع إرادي عن المفطرات رغم الحاجة إليها والإنسان إنما يمسك عنها استجابة لأمر الله وهو بذلك يتعالى على نوازع النفس والأسباب النسبية التي تضغط عليه بدافع الشهوة والغريزة للأكل والشراب، فامتناعه استعلاء لإرادته الحرة وانتصار على نوازع الهوى والنفس الأمارة التي تستعبده وتخضعه لهواه وشهوات نفسه ومقاومته لها وتحكمه فيها يمنحه قوة إرادته وصلابتها ليستعين بذلك على مواجهة كل خطر محدق به وأولها تلك النوازع النابعة من ذاته أو من الخارج أي واقعه الحياتي الماثل.(راشد الغنوشي-الديمقراطية وحقوق الإنسان. بتصرف).
وهكذا فكل شعائر الدين تهدف إلى تقوية إرادة الإنسان وتحريره من قيوده الأرضية لتصعد روحه دائما إلى الملاْ الأعلى يستعد الإنسان للانتصار على نفسه في معركة الإصلاح ومن انتصر على نفسه في معركة الإصلاح فحري به أن ينتصر في معركة السلاح.
وهذا الانتصار النفسي الذاتي الحر النابع من الإرادة هو اهم بداية وآلية كفاح لدفع قابلية الاستعمار في نفوس الشعوب المستضعفة كما يقول مالك بن نبي.
إن هدف تكاليف الدين دلالي ارشادي يساعد الإنسان على تحرير إرادته والتحكم من نفسه ولذلك كرر الأنبياء والمصلحون دائما دعوة يوسف :(رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه) فهنا استعداد حر نابع من قصد صادق للتضحية بالمركز وامتيازاته الاجتماعية إذا كانت ستجعل المصلح رهينة لها تستعبده ليسخر قدراته لخدمة مكينة الفساد الاجتماعية المنحرفة.(راشد الغنوشي-الديمقراطية وحقوق الإنسان بتصرف + والصلابي الحريات من القرآن الكريم).
- الحرية مقصود شرعي:
اعتبر العلامة محمد الطاهر بن عاشور مجدد علم المقاصد في هذا العصر أن الحرية والعدل من مقاصد الشريعة فالأمة يجب أن تكون حرة حرية مطلقة تمكنها من تحقيق وظيفة الإستخلاف في الأرض وإقامة المنهج الإلاهي والدعوة إليه بوصفه المنقذ للبشرية من عبوديتها لشهواتها وغرائزها وأهوائها وهذا المقصود مرتبط برسالة الإسلام التي وصفت في القرآن برفع الحرج ووضع الإصر (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) فهذه الرسالة المحمدية تحرير للشعوب من هيمنة الطواغيت والظلم الذي كانوا يرزحون تحته؛ وإتاحة الفرصة لهم لكي يعبدوا الله وحده لا شريك له عن إرادة؛ واختيار حر يحقق لنفسية الفرد التوازن بين الكمال الروحي والمادي.
فالإسلام تحرير للإنسان من داخله يقول الله عز وجل :(ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون)(المنافقون:8).
- دعائم الحرية:
شرع الإسلام وسائل لكفاح الظلم والطغيان ووسائل لتدعيم العدل والحرية سواء حرية الفكر أو الرأي أو العقيدة ومن أهم هذه الوسائل الجهاد والصبر على الأذى ورفض الظلم وبذل الغالي والنفيس حتى يتحرر أفراد الأمة وجماعاتها من الضغوط والقيود.
وقد ورد في نصوص السنة النبوية (إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودّع منهم)(أخرجه الحاكم) وورد النهي عن السلبية المقيتة والتي كانت شائعة في الواقع العربي قبل الإسلام:( ففي حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً ، تَقُولُونَ : إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا ، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا ، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا) (رواه الترمذي) وصححه الألباني من طريق عبد الله بن مسعود.
وفي الحديث الآخر:( عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ).
- تقرير رفض الظلم : فأهم وسيلة لمقاومة الظلم هي اعلان أنه ظلم وهذا يتقاطع مع حرية التعبير وحرية الرأي التي تتضمنها المواثيق الدولية ولكن الملاحظ أن الإسلام نقل هذا الحق من درجة الإباحة إلى مستوى الفريضة ورفعها فيما يتعلق بالظلم السياسي لمستوى الشهادة بل للدرجة العليا من الشهداء.
- التشهير بالظالمين: وهذه النصوص صريحة في ذلك.
- الكفاح الدعوي السلمي:
إن تاريخ الدعوة الإسلامية ذاته أعطى مساحة كبيرة للتعريف بدعوة التوحيد سلما دون قتال مما يدل على أن الكفاح السلمي أصل في الممارسة الإسلامية والفترة المكية السلمية تزيد على نصف الفترة التي قضاها المسلمون بالمدينة وهم يستخدمون الوسائل جميعا سلما وحربا حتى أن بعض الباحثين قدرها بما يزيد على الثمانين بالمائة وبعد العهد النبوي والراشدي انتشر الإسلام سلما في بقاع كثيرة من العالم.. إن الكفاح السلمي الرافض للعنف وسيلة شرعية مقررة في الدين الحنيف بل هي الأصل في الدعوة.
وتاريخ الأنبياء والرسل شاهد على المجهود السلمي الكفاحي الذي خاضه الأنبياء لتحرير الناس اعتمادا على الصبر وطول النفس والقرآن الكريم يقص علينا سير الأنبياء في الصبر على أذى أقوامهم فهذا نوح لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ووصف حاله معهم (ربي إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا) أما سلطتهم فقد قررت قرارها على هذا النحو:(فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ. إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حين).
وتكررت قصة نوح في تاريخ المرسلين قال تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ).
- تحرير الإنسان من الخوف والابتزاز:
امتن الله سبحانه وتعالى على المجتمع القرشي المكي بنعمة الأمن والغنى لأن الإنسان بحاجة لهاتين النعمتين (لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف).فالإنسان في كل زمان ومكان بحاجة لهذه النعم كما أن الخوف طبع بشري ولذلك جاء هذا الامتنان لإلاهي ليذكر قريشا برده سبحانه غزوة الفيل عن مكة وكانت ستؤدي إلى ذلة ومهانة كبيرة لشعب المدينة النبوية المقدسة فالله سبحانه يدعوهم إلى الإيمان ويذكرهم بنعمة التحرير والدفاع عنهم والسورة جاءت بعد سورة الفيل في ترتيب المصحف حتى إن أبي بن كعب جعلها مع الفيل سورة واحدة ولم يفصل بينهما بخلاف قول الجمهور.
فالسعي للحرية وتحرير البلاد من الفساد والاستبداد والاستعباد ومقاومة الظلم كلها من قيم الحق والدين التي يتعبد الله بها كما يتعبد بالصلاة والجهاد ودفع الصائل.
وركزت نصوص القرآن على بناء الثقة بالله وانتزاع المخافة من غيره فلا ضار ولا نافع إلا الله (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)(الذاريات58).وقال تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ)( يونس الآية31).
وكثيرا ما استخدم الرزق والمنصب آلية للضغط والاستعباد وللطغاة في كل عصر فنونهم المعروفة والمستخدمة لإخضاع الناس لهم عبر هذه الوسائل ولذلك ارتبط التحرير دائما بتفعيل آليات التمرد على هذا النمط من الإخضاع وتحقيق الاستقلال دونه حتى لا يكون الأحرار ضحية له.
نقلا عن صحيفة الأخبار إنفو