جدول المحتويات
ونظرت للطاعة "العمياء" التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله للسرية الذين أمرهم قائدهم بدخول النار: "لو دخلوها لم يزالوا فيها".
-طائفة لا ترى في واقع الأمة اليوم حكما ولا سلطة…بل "كفرة" "لم يحكموا الشرع" و"لم يطبقوا ما أنزل الله"، فهم علة العلل ومكمن الداء، والتخلص منهم فرض واجب على الأمة وإن أدى إلى التخريب والتدمير وإهلاك الحرث والنسل..
ولعل محاولة تحرير مفهومي "الطاعة" و"الخروج" يسهم في تجلية جانب من نهج الحقيقة الذي طالما أعملت فيه الطائفتان (سابقتا الذكر) "مجاديفهما" لطما وردما حتى يستبين مناره القويم.
تحرير مفهوم الطاعة:
إذا آوينا إلى المعاجم اللغوية سنجد أن معنى الطاعة يرجع إلى الموافقة والتسليم والانقياد، يقول ابن فارس:" الطاء والواو والعين أصلٌ صحيحٌ واحد يدلُّ على الإصحابِ والانقيادِ، يقال طاعَه يَطُوعه، إذا انقاد معه ومضى لأمره، وأطاعه بمعنى طاعَ له، ويقال لمن وافَقَ غيرَه: قد طاوعه"(مقاييس اللغة: طوع).
ولعل سباحة في غمار كتب السنة الصحيحة وشروح أئمة العلم الموثوقين تعين على استجلاء حقيقة "الطاعة" لولي الأمر الحاكم في "لغة الشرع" ، وهي مسألة لم يغفلها العلماء ولم يتركوها سدى بل امتلأت بها مدونات السنة والفقه، فالإمام البخاري ترجم في الصحيح: "باب السمع والطاعة للإمام"، وفي رواية الكشميهني زيادة: (ما لم يأمر بمعصية)، و"باب أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، وبوب مسلم في صحيحه: "باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية"، وأبو داود في السنن: "باب الطاعة"…وغيرهم.
والنصوص الشرعية الآمرة بها والمؤكدة لها من القرآن والسنة كثيرة شهيرة لا نحتاج الإطالة باستقصائها، منها قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"(النساء59)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ"(البخاري).
وهذا الإمام العيني في شرحه على البخاري يلخص معنى "السمع والطاعة" الواردين في النصوص الآنفة التي يكثر ذكرها مبتورة عن سياقها دون تأمل ومدارسة لمعناها، يقول العيني: "إجابة قول الأمير إذ طاعة أوامرهم واجبة"، ونسب لعياض قوله: "أجمع العلماء على وجوب طاعة الإمام في غير معصية وتحريمها في المعصية" (عمدة القاري14/221).
وهذا المعنى مشتهر – كذلك – فلا نطيل بالخوض فيه.
لمن ومتى تجب "الطاعة"؟؟
إن من المهم بعد الإشارة إلى أدلة الأمر بالطاعة ووجوبها أن نلم ببعض الجوانب المفيدة في تقرير المفهوم الشرعي المطلوب امتثاله في تنظيم العلاقة بين الرعية والحكام، فالأمر بالطاعة ليس على إطلاقه، ومن المعروف عند أهل الأصول أن (الأمر المطلق لا يعم في جميع الأحوال).
ف"الطاعة" إنما تجب لمن تولى الأمر بحق أي ثبتت إمامته بطريق الشورى التي تفضي إلى الاتفاق عليه أو ميل "الأغلبية" لصالحه، وقد استوقفتني عبارة الدرديري في شرحه على المختصر معرفا الإمام الشرعي: " الذي ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ عَلَيْهِ وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ لَمْ تَثْبُتْ إمَامَتُهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ لَمْ يُسَلِّمُوا لَهُ الْإِمَامَةَ لِظُلْمِهِ" (الشرح الكبير4/298)، فمن انعدم فيه شرط البيعة إذا ليس إماما تجب طاعته في نظره.
ويلزم لوجوبها أيضا أن يكون أهلا لتولي الشأن، ونسب ابن عبد البر لطائفة من علماء الصحابة والتابعين في شرحه لحديث: "..وألا ننازع الأمر أهله" أن "أَهْلُهُ أَهْلُ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَالْفَضْلِ وَالدِّينِ مَعَ الْقُوَّةِ عَلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ لَا يُنَازَعُونَ لِأَنَّهُمْ أَهْلُهُ وَأَمَّا أَهْلُ الْجَوْرِ وَالْفِسْقِ وَالظُّلْمِ فَلَيْسُوا بِأَهْلٍ لَهُ.
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِإِبْرَاهِيمَ (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدَيِ الظَّالِمِينَ) الْبَقَرَةِ124 (الاستذكار5/16
ثم يردف قائلا: "وَبِهَذَا خرج بن الزُّبَيْرِ وَالْحُسَيْنُ عَلَى يَزِيدَ وَخَرَجَ خِيَارُ أَهْلِ العراق وعلمائهم عَلَى الْحَجَّاجِ وَلِهَذَا أَخْرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بَنِي أُمَيَّةَ عَنْهُمْ وَقَامُوا عَلَيْهِمْ فَكَانَتِ الْحَرَّةُ".
وأما الطاعة فلم يأمر بها الشارع إجلالا لشخص الأمير، وإنما أوجبها جمعا للكلمة وجلبا لمصلحة الأمة فيما أمر به الإمام، و"أما إذا لم يشتمل على معنى أو مصلحة عامة أو خاصة فلا تجب عليهم طاعته نحو أن يأمرهم أن يصعدوا هذا الجبل وينزلوا منه" (فيض الباري على صحيح البخاري6/479)، ولهذا قيدها صلى الله عليه وسلم بالمعروف: "إنما الطاعة في المعروف" (متفق عليه) ومعناه: ما كان صلاحا للأمة موافقا للشرع وقدمثل له أبو سليمان البستي في شرحه لسنن أبي داود ب" الخروج في البعث إذا أمر به الولاة، والنفوذ لهم في الأمور التي هي طاعات ومعاون للمسلمين ومصالح لهم، فأما ما كان فيها معصية كقتل النفس المحرمة وما أشبهه فلا طاعة لهم في ذلك" (معالم السنن2/266).
وهو المعنى الذي فسر به عبادة بن الصامت الراوي لأشهر أحاديث "الطاعة" حيث حذر من طاعة السلطان في غير "المعروف": قَالَ خُضَيْرٌ فَقُلْتُ لِعُبَادَةَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ أَنَا أَطَعْتُهُ قَالَ يُؤْخَذُ بِقَوَائِمِكَ فَتُلْقَى فِي النَّارِ وليجئ هَذَا فَيُنْقِذَكَ" (التمهيد23/277).
وَخَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَيَلِي أُمُورَكُمْ بَعْدِي رِجَالٌ يُطْفِئُونَ مِنَ السُّنَّةِ وَيَعْمَلُونَ بِالْبِدْعَةِ، وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مَوَاقِيتِهَا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُهُمْ، كَيْفَ أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ.
ولابن بطال في شرحه على البخاري عند حديثي ابن عمر السابق، وعلي في قصة الأمير الذي أوقد النار لأصحابه كلام مفيد في هذا السياق واخترت نقله كما ورد لأهميته قال:
"قال محمد بن جرير: فى حديث على وحديث ابن عمر البيان الواضح عن نهى الله على لسان رسوله عباده عن طاعة مخلوق فى معصية خالقه، سلطانًا كان الآمر بذلك، أو سوقة، أو والدًا، أو كائنًا من كان. فغير جائز لأحد أن يطيع أحدًا من الناس فى أمر قد صح عنده نهى الله عنه. فإن ظن ظان أن فى قوله (صلى الله عليه وسلم) فى حديث أنس: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشى) وفى قوله فى حديث ابن عباس: (من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر) حجة لمن أقدم على معصية الله بأمر سلطان أو غيره، وقال: قد وردت الأخبار بالسمع والطاعة لولاة الأمر فقد ظن خطئًا، وذلك أن أخبار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا يجوز أن تتضاد، ونهيه وأمره لا يجوز أن يتناقض أو يتعارض، وإنما الأخبار الواردة بالسمع والطاعة لهم ما لم يكن خلافًا لأمر الله وأمر رسوله" (8/214).
وبالغ بعض علماء المالكية فقال: لايطاع أمر السلطان في المكروه المجمع على كراهته لأن ذلك من الإحداث في الدين ما ليس منه، (الشرح الكبير4/298).
ولعل في تقديم الأمر بأداء الأمانة، والحكم بالعدل الوارد في آية النساء (59) قبل توجيه الخطاب إلى العامة بطاعة أولي الأمر، وذكر طاعتهم بعد طاعة الله ورسوله..بيان أن "الطاعة" حق للحاكم يترتب على حقوق عليه أن يؤديها أولا ثم يكون الانقياد له وتأييده جزاء، وهذا ما يعنيه علي كرم الله وجهه بقوله: "يحق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله وأن يؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا له ، ويطيعوا ويجيبوه إذا دعا" (الأموال للقاسم بن سلام).
وقد انتبه السلف قديما لمخطط السلاطين وحاشيتهم المفضي إلى تأليه الحاكم ووضع الأحاديث زورا لتحصين أوامر الحاكم ومن الطريف ما ورد أن رَجُلاٌ مِنَ التابعين في خلافة عبد الملك حدث عن رسول الله أَنَّهُ قَالَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الْأُمَرَاءَ فَإِنْ كَانَ خَيْرًا فَلَكُمْ وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَعَلَيْهِمْ وَأَنْتُمْ مِنْهُ بَرَاءٌ
قَالَ الشَّعْبِيُّ: كَذَبْتَ لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوف (التمهيد23/278)
ويعد التنظير للطاعة المطلقة والدفاع عنها مظهرا من مظاهر فقه الانحطاط كما يرى د.عبد المجيد الصغير في كتابه: "إشكالية السلطة العلمية في الإسلام" ترتب عليه سلب العلماء والمصلحين مكانتهم وقدرتهم على التأثير، ووضع فيه الجمهور في موقع ضعيف الإيمان الذي لا حيلة له حسب تعبيره، وساد منطق: (افعل ما أمرك السلطان به فإنه لا يخشى في الدنيا عارا ولا في الآخرة نارا) ولاتزال آثار ذلك قائمة إلى يوم الناس هذا.
وإلى الحلقة القادمة
نقلا عن صحيفة الأخبار إنفو