تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

والطموحات التي تأسست من أجلها، وقد أصبحت في الواقع تشكل نوعا من التلاعب بالألفاظ والمعاني يؤدي في نهاية المطاف إلى تشويه لدور الأحزاب وهو تشويه يغذيه الانفصام المتواصل بين اللفظ والمعنى والاسم والمسمى.

 

وقد أصبح واضحا بحكم الفترة القصيرة نسبيا التي مضت على تجربتنا الديمقراطية أن كلمات "الأحزاب السياسية عامة وأحزاب المعارضة خاصة تفقد شحنتها الإيجابية لأن المسمى والواقع الذي تعبر عنه يحتاج إلى تحول نوعي الشيء الذي عجزت عنه هذه التنظيمات، وهنا أقول بكل صراحة بأني لا أرى فائدة معرفية ونضالية في استعمال أسماء لا تنطبق على مسمياتها ولا تضطلع بالدور الذي هو أصلا مبرر وجودها ورغم كل هذا فإني مؤمن بدور المعارضة الديمقراطية الوطنية كما أومن بأنه لا ديمقراطية بدون أحزاب معارضة حقيقية وذات مصداقية غير أنه للأسف الشديد في حالتنا هذه وعلى الرغم من ظهور عدو كبير من التنظيمات السياسية ـ فإن جل ما ظهر عبارة عن كيانات  قزمية هزيلة مع استثناءات قليلة في الطرفين ـ لا تعير إلا عن أصحابها بعيدا عن المفهوم الحقيقي للحزب الشيء الذي تحتم على الفرقاء جميعا وفي المنظور القريب مراجعة آليات تنظيم وتشكيل الأحزاب السياسية بطريقة تعطي مصداقية وحيوية لهذا المرفق الأساسي في البناء الديمقراطي ويصبح التخندق في الأغلبية أو المعارضة ذا معنى وقيمة.

أما اليوم فإنه هناك سؤالا يخطر على بال كل مراقب،هو اين أحزاب الأغلبية وخارجها أين أحزاب المعارضة؟ والسؤال في نظري يقيم الدليل على غياب الاثنين معا نظرا لعجز كل منهما عن القيام بالدور الذي هو أصلا مبرر وجوده.

 

فأحزاب المعارضة عاجزة عن القيام بدورها بعد أن تضخم هذا الدور والحجم دون أن تستطيع أن تقرأ الساحة قراءة صحيحة وتتجاوب معها، والغريب في الأمران هناك من الأحزاب من يريد لنفسه أن يصنف من المعارضة ليستفيد من ذلك دون أي التزام، ويفسر مفهوم المعارضة على هواه.

 

أما عن الأحزاب في الأغلبية فهناك من يتحالف تحالفا أعمى ويتصرف انطلاقا من الحسابات الضيقة تصل إلى حد المزايدة التجارية والمساندة الانتهازية، وهي الأغلب الأعم مفعول بها.

 

ويبقى أن نعرف ما هو الدور المطلوب من القوى الديمقراطية في هذه المرحلة بالذات؟ هل هو دور المعارضة الناضجة بالمعنى السائد في بلدان ترسخت فيها التقاليد الديمقراطية أي دور البديل الذي يعد نفسه للتداول على السلطة في لعبة واضحة؟ أم دور المعارض المنسجم انسجاما يكاد يكون كاملا مع السلطة بالمعنى السائد في الكثير من بلدان العالم الثالث في شكل الحرب الواحد؟

 

في اعتقادي أنه في حالتنا الحالية لا يجوز هذا المعنى أو ذلك وإن كان المعنى الأول هو الهدف المنشود في أي ديمقراطية ولكن في تجربتنا يجب أن يكون الدور الأول للقوى الديمقراطية هو ترسيخ مفهوم الديمقراطية الفتية والجديدة على الشعب وتسليط الضوء على كل ما من شأنه المساس أو تحريف ما حصل لحد الآن ومن هنا يبقى النقد ذا أهمية لأي عمل يراد له النجاح ولكن النقد البناء والمسؤول في إطار الثوابت الوطنية وتظهر أهمية النقد حتى داخل الحزب الحاكم إذ بدونه نرجع إلى عهد الرأي الواحد ونفتح باب الأخطاء وقد أظهرت كل التجارب أهمية النقد في بناء الديمقراطية وبطبيعة الحال لا يتم هذا البناء بالدعاية التي تزين كل شيء ولا بالدعاية المضادة التي تظلم كل شيء ويبقى العمل التثقيفي ذا أهمية لبناء ديمقراطية صلبة بدل الانحباس في الأمور الظرفية.

 

وهنا يتجلى دور القوى الحية ممثلة في الأحزاب السياسية عامة وأحزاب المعارضة خاصة التي تلهث وراء وظيفة لم تتبلور بعد وتنتظر نتائج لم تأت ولن تأت ما دامت متمسكة بالأشكال القديمة والعقليات الضيقة فإلقاء المسؤولية على السلطة في كل ما يجري قد يكون من باب التسطيح والغفلة عن حقيقة الأمور وتعقيداتها فالسلطة بطبيعة الحال مطالبة برفع كل الحواجز والعراقيل التي تقف عائقا أمام التجربة الديمقراطية وبذلك تصبح بحاجة إلى منبه بعيدا عن التضليل والإطراء ومن هذا الإطار تأتي أهمية الإعلام المهني الذي لا يراد به إلارتزاق والتزلف وقد يسهم هذا الأخير إلى جانب قوى أخرى في جعل أصحاب القرار يتفطنون إلى النقائص أما القوى الخارجة عن السلطة ـ أحزابا ومستقلين وغيرهم فهي مطالبة بمراجعة النفس بصورة جذرية فالبلاد بحاجة إلى أحزاب تتمتع بالمصداقية وقادرة على النهوض والتطلع بالمسؤولية المجتمعية التي هي أصلا مبرر وجودها.

يحيى بابه

 

الأحدث