تخطى الى المحتوى

لماذا تنشئ الدولة لجنة ثانية لحقوق الإنسان؟

جدول المحتويات

 

وفي وارد التعليق على مشروع القانون أفصح وزير العدل عن عزم الدولة الموريتانية إنشاء لجنة مستقلة يرأسها مواطن ذو كفاءة واستقامة وتضم في عضويتها محاميين وطبـيـبـيـن وخمسة أعضاء يمثلون المجتمع المدني.. ويبدو أن الآلية الوطنية المقترحة في مشروع القانون اقتبست، إجمالا ودون تمحيص، من الآلية الأممية التي تضمنت إنشاء لجنة فرعية لمناهضة التعذيب تتكون من عشرة أعضاء.. وأن اللجنة المقترحة ستستنسخ لتوازي اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان التي تتشكل من عشرين عضوا من ذوي الأصوات التداولية وستة من ذوي الأصوات الإستشارية.

 

وبالرجوع للبروتوكول الإختياري لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب يتبين أن التزام الدولة المتعلق بالآليات الوقائية الوطنية لمنع التعذيب المضمن في المواد من 17 وحتى 23 لا يتعارض مع مهام اللجنة القائمة وأنه لا تثريب على الدولة الموريتانية في أن تعهد بمسؤولية الوقاية من التعذيب للجنة الوطنية لحقوق الإنسان المنشأة بالأمر القانوني رقم 2006-015 الصادر بتاريخ 12 يوليو 2006 بدلا من إحداث لجنة أخرى ستتطلب موارد إضافية تثقل ميزانية الدولة وربما يؤدي تداخل اختصاصات اللجنتين إلى تنازع لا يخدم الأهداف المرجوة فالأولى والأقل تكلفة والأكثر جدوائية أن تسعى الدولة إلى صيانة الصرح القائم وتفعيله بدل تبديد الموارد في إقامة كيان جديد قد لا يكون أكثر نجاعة من الكيان الذي لا يزال حدثا إذ لا يعدو عمره تسع سنوات.

 

وبالرجوع للقانون رقم 2010-031 الصادر بتاريخ 20 يوليو 2010 الذي يلغي ويحل محل الأمر القانوني رقم 2006-015 الصادر بتاريخ 12 يوليو 2006 القاضي بإنشاء لجنة وطنية لحقوق الإنسان يتبين أن المشرع قرر أن تكون اللجنة جهاز مراقبة واستشعار ووساطة وتقييم لما يخص احترام حقوق الإنسان والقانون الإنساني وأن من ضمن مهامها القيام بالزيارات المفاجئة لمؤسسات السجون ولأماكن الحراسة النظرية من أجل التأكد من احترام حقوق الأشخاص مسلوبي الحرية (المادة 4 من القانون رقم 2010-031) بالإضافة لمهام أخرى تتعلق في مجملها بترقية حقوق الإنسان.

 

صحيح أنه يتعين نفض الغبار عن اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بتعديل نظامها لتغيير طبيعتها من لجنة استشارية إلى هيئة مستقلة (وفاء بالتزام الدولة بضمان الإستقلال الوظيفي للآليات الوقائية المكرس في المادة 18 من البروتوكول) وتخفيف هيكلتها المتضخمة ولتفعيل أدائها الباهت ومن أجل التخلص من أساليب المجاملة يجب أن تضخ فيها دماء جديدة يتم انتقاؤها بعناية على أسس الكفاءة القانونية التي تتطلب الدراية بالمساطر الجنائية الوطنية وما قد يكتنف تطبيقها من ممارسات تعسفية مع متابعة الإلتزامات الدولية المكرسة في العهود والمواثيق وتوخي توفر إرادة حقيقية لمواجهة التجاوزات وإشاعة ثقافة حقوق الإنسان.

 

وللنجاعة يجب على الدولة انتهاج معايير شفافة تكفل اختيار طاقم غير متسيس يضع نصب عينيه التأثير الحقيقي والمدروس في واقع حقوق الإنسان في الدولة دون تحامل غير مبرر على الحكام ودون تركيز الإهتمام على تلميع صورة السلطات في نظر الحقوقيين الأمميين العابرين.

 

إن الدولة عندما تعمل على تكريس حقوق الإنسان وإشاعتها بين مواطنيها يتعين أن تتصرف وفق خطة مدروسة وواعية وأن تكون مؤمنة بأنها تقوم بواجب وطني وتحقق مصلحة عامة ولذلك يتعين أن لا ينحسر اهتمامها في مجرد متابعة تقارير المنظمات الأممية والهيئات غير الحكومية العاملة في الميدان والمبادرة إلى إجراءات شكلية وظرفية يتم اتخاذها على عجل دون اعتبار لما يمليه الواقع وتتطلبه الجدوائية.. فهل من سبيل لاسترتيجية موريتانية لحقوق الإنسان؟

 

 

الأحدث