جدول المحتويات
خاضت الشعوب الأوربية تجارب نضالية وحروبا مريرة وثورات متواصلة للتخلص من تحالف الملكيات المطلقة التي كانت تعتبر شعوبها عبيدا عند ها والكنيسة التي كانت تسخرهم لحلفائها بتوظيف الدين لخدمة الإقطاع هذه التجربة جلعت الأديان بحكم التشابه في المصادر الغبية غير المادية والاشتراك في التسمية والتجربة الروحية تكون مرفوضة الوظيفة المدنية لأنها في التجربة الأوربية نقيض للمدنية وخصيم للعلم والتطور..
وشكلت الحرية في التاريخ المعاصر أهم فكرة مؤسسة للإجماع الوطني وتمثل الهويات أيا كان مصدرها حتى وصلت الحرية في الأخير لسحق الأيديولوجيات والخصوصيات بشكل يكاد يكون غير مسبوق في التاريخ الإنساني القريب.. كما برزت المسالة الحقوقية والمدنية خلال القرن العشرين حتى أضحت الشرعة الدولية لحقوق الإنسان من أهم المشتركات التي تؤسس للإنسانية وحدتها وانسجامها وبدأت الشعوب المتمسكة بخصوصيتها تؤسس لنفسها رؤية ومواثيق مشابهة لتلك التي توصلت إليها الحداثة الغربية داخل بلدانها.
الحرية وحقوق الإنسان
إن الحرية من الخصائص اللصيقة بالكرامة تنشأ بالميلاد ويتساوى فيها البشر جميعا ومن ثم فإن الحرية هي الركيزة التي تنهض عليها حقوق الإنسان ويتأسس عليها النظام الديمقراطي والحكم الرشيد.
وقد تنامت منظومة حقوق الإنسان عبر مراحل عديدة وتنوعت مجالاتها حتى أضحت الشرعية الدولية لحقوق الإنسان بمثابة إطار مرجعي لتنمية الإنسانية ومعيارا للحكم على نوعية الحياة في المجتمعات البشرية. (تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام: 2004، ص: 67).
مفهوم الحرية والتكريم الإلهي للإنسان:
الحرية في اللغة تأتي بمعنى نقيض العبودية فالحر بالضم نقيض العبد والجمع أحرار والحرة نقيض الأمة والجمع حرائر وحرره أعتقه ووردت صيغة "محررا" في القرآن قال تعالى على لسان مريم ابنة عمران ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(سورة آل عمران الآية: 35).
ونذر الولد لخدمة القيم ممارسة كانت شائعة في بني اسرائيل قال الزجاج : هذا قول امرأة عمران ومعناه جعلته خادما يخدم في متعبداتك، وكان ذلك جائزا لهم.
وتأتي الحرية بمعنى الشرف و الفضل وتأتي بمعنى الخالص النقي وتأتي بمعنى الحسن والجمال والكرم يقول طرفة : ليس هذا منك ماوي بحر. أي حسن وجميل.
وتأتي بمعنى الرقة واللين والشيء الرطب كما ترد بمعنى الضبط والتدقيق ومنه تحرير الكتابة أي اقامة حروفها وإصلاح الخطأ.(لسان العرب ـ ج: 4، ص:81).
أما الحرية في الاصطلاح فهي: امتلاك الفرد حرية التصرف قولا وعملا حسب مشيئته وإرادته لا يصرفه عن ممارسة اختياره وتصرفاته أمر غيره.. فالحرية بهذا المعنى حق للبشر على الجملة لأن الله لما خلق للإنسان العقل والإرادة وأودع فيه القدرة على العلم فقد أكن فيه حقيقة الحرية وخوله استخدامها بالإذن التكويني المستقر في الخلقة.( الطاهر بن عاشور أصول النظام الاجتماعي – ص150-158 بتصرف طفيف).
والحرية ضد الاسترقاق بحيث لا يكون الإنسان مملوكا لغيره ولا يكون الشعب محكوما بالقوة القاهرة التي يفرضها على الشعب حاكم فرد عبر وسائل القوة المسلحة للنظام القمعي التسلطي وألا تكون الأمة محتلة من قوات أجنبية تفرض عليها إرادتها وتلغي خيار الأمة والشعب كما كان حاصلا في فترة الاحتلال الأجنبي.(د. علي الصلابي- الحريات من القرآن الكريم. ص: 15).
ويدخل في المعاني المنافية للحريات استغلال البشر بعضهم لبعض كما تفعله بعض المجتمعات في قضايا اضطهاد المرأة وعمالة الأطفال وهذه المعاني باتت محددة المفاهيم والوقائع ومناطق الممارسة ومجرمة في ترسانة القانون الدولي الإنساني والفقه المعاصر للشرائع السماوية.
تحدثت النصوص في الكتاب العزيز والسنة النبوية عن مفاهيم أوسع وأشمل من مفهوم الحرية المعاصر الذي أشار العديد من الفقهاء المجددين على أنه لم يرد في النصوص الشرعية وإنما ورد المفهوم في صيغ الترجمات المعاصرة غير أن مضمونه يعتبر من المصالح الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي ويجب على ولاة الأمور تحقيقها وصيانتها. (الطاهر بن عاشور أصول النظام الاجتماعي ص162). والحرية التي نتحدث عنها هنا هي الحرية الفردية للإنسان أما مفهوم الحرية القانوني الذي يتجه لتحديد الحريات بشكل قانوني كالحريات السياسية وحرية الاقتصاد والتجارة.. إلخ كما لا نهتم الان بالحديث عن المفهوم الغربي للحريات وهم مفهوم واسع من الناحية الفلسفية ومدارسها المذهبية المختلفة.
الحرية والحكم المطلق
بل إن القرآن الكريم يشير إلى تجربة ملكة سبأ بلقيس والتي توضح أن العرب في عصرها كانوا يديرون شئونهم في نظام ملكي مقيد بدليل استشارتها للملأ من قومها وكذا انتقادها للنظام الملكي (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون) وتشير جملة وكذلك يفعلون إلى أن ذلك قانون سار في الأنظمة الملكية إلا إذا كانت ملكيات مقيدة بمرجعية شورية ويشير تراث العرب قبل الإسلام إلى أنهم كانوا أهل شورى فالقبائل تدير شئون الحرب والسلم عبر مجالس ولم يكن الأمر مرسلا للشيوخ القبائل يستبدون به ولذلك كان المجتمع العربي رغم فقره وبداوته واضطهاد الأمم المجاورة له صاحب نفس عزيزة كريمة تأبى الضيم وتثور على الظلم.(من محاضرة للعلامة محمد سالم ولد عدود رحمه الله).
أحلاف دفع الظلم:
ويعتبر بعض الحقوقيين أن الأحلاف التي نشأت في الجاهلية من أول العهود العلنية لحقوق الإنسان وقد عقدت القبائل العربية هذه الأحلاف بعد تجربتها في الحروب والمظالم التي وقعت في ذلك العهد وأكبر مصدر لهذه الأحلاف كان الخبرة التاريخية بالنزاعات القبلية المتتالية إضافة إلى تعاليم الحنيفية الإبراهيمية السمحة التي كانت تشكل تراثا قرشيا مكيا متوارثا لعدة قرون قبل الإسلام.. وقد أقر الإسلام مضمونها.
1ـ حلف المطيبين: و حلف الْمُطَيّبِينَ، وسبب تأسيس هذا الحلف أن فريقًا من قريش أجمعو على أن يأخذوا من بني عبد الدار الحجابة – أي شرف خدمة الكعبة -، واللواء – أي شرف حمل اللواء في الحروب -، والسقاية – أي شرف سقي الماء للحجيج، فهذه المكرمات الثلاثة لم تجتمع في أي عائلة من عائلات العرب، فحقد عليهم الحاقدون، ومشوا في نزع هذا الشرف وتقسيمه، فتفرقت عند ذلك قريش ، واختلفت الآراء، فاستنصر بنو عبد الدار أصحاب النخوة والرجولة، فاجتمع أنصار بني عبد الدار، فأخرج بنو عبد مناف قصعة مملوءة طيبًا .ثم غمس الحضور أيديهم فيها ، فتعاقدوا وتعاهدوا، على نصرة بني عبد الدار والمظلومين من بعدهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم فسموا المطيبين (انظر: ابن هشام 1/130-132). ثم اصطلحوا واتفقوا على أن تكون الرفادة والسقاية لبنى عبد مناف، وأن تستقر الحجابة واللواء والندوة في بنى عبد الدار، فانبرم الأمر على ذلك واستمر ( ابن كثير – السيرة – جــ 1/ص101). ولم يشهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هذا الحلف.
2ـ حلف الفضول: وهو الحلف تداعت قبائل من قريش إليه فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان، لشرفه وسنه، فكان حلفهم عنده، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلومًا دخلها من سائر الناس، إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول.(انظر: ابن هشام : جــ:1/ ص:134، وص: 135).
وقال صلى الله عليه وسلم عن هذا الحلف :" شَهِدْتُ حِلْفا.. ما أحِبُّ أَنَّ لِي به حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي أَنْكُثُهُ " (أخرجه أحمد، برقم 1567، وهو في السلسلة الصحيحة).وقال عنه أيضًا: (لَقَدْ شَهِدْت فِي دَارِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبّ أَنّ لِي بِهِ حُمْرَ النّعَمِ وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْت" (سيرة ابن هشام : جــ1/ص:133).
قال ابن كثير:
وكان حلف الفضول أكرم حلف سُمع به وأشرفه في العرب، وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب. وكان سبب حلف الفضول أن رجلاً غريبًا قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الغريبُ أهل الفضل في مكة ، فخذله فريق، ونصره الآخر.. ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه مال الغريب، فدفعوها إليه.
يتبع..
نقلا عن صحيفة الأخبار إنفو