جدول المحتويات
ومن العادي أن يختلف التنظير وتتباين الآراء لاختلاف وتباين المشارب وتفاوت المدارك العقلية والمكانة العلمية وهو ما لا يمنع الإشادة بالأمر واستحسانه عسى أن يسد خلة ويشبع ضمورا طالما اتهم بهما الفقه الإسلامي في شقه السياسي.
ولي شرف التطفل والمشاركة – رجاء النفع وطمعا في الأجر- في الإسهام في تصحيح بعض المفاهيم التي اتخذها ذوو الأهواء مطية للتشكيك في صلاحية النمط الإسلامي للحكم مثل بعض الصفات التي اشترطها الفقهاء في الإمام (الخليفة – الرئيس) كالقرشية (انتساب الإمام لقريش)، ووجوب الطاعة وخلع الإمام والخروج…إلخ، فكلها أمور شابها خلط تنكب به قوم طريق الهدى والسداد.
أدلة القائلين ب"القرشية":
ثبت في عدد من الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن "الأئمة من قريش"، وقد جعل قوم هذا الحديث طعنا في نهج الحكم في الإسلام ما دام مرتبطا بعرق أوقبيلة معينة، كما جمد عليه آخرون معتبرينه شرطا لا قيام لخلافة دونه "مجمعا عليه" ناسين أن مقاصد الحكم في الأساس العدل والأمانة والشورى…إلخ.
وفيما يلي نسوق بعض هذه الأحاديث:
روى البخاري في الصحيح "كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش أن عبد الله بن عمرو يحدث أنه سيكون ملك من قحطان فغضب فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإنه بلغني أن رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا توثر عن رسول الله وأولئك جهالكم فإياكم والأماني التي تضل أهلها فإني سمعت رسول الله يقول إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين".
وفي السنن الكبرى للبيهقي:
عنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْش".
وفي السنن الكبرى للنسائي:
عن بُكَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجَزَرِيُّ، قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا مَا أُحَدِّثُهُ كُلَّ أَحَدٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى بَابٍ وَنَحْنُ فِيهِ، فَقَالَ: «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، إِنَّ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، وَلَكُمْ عَلَيْهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ، مَا إِنِ اسْتُرْحِمُوا رَحِمُوا، وَإِنْ عَاهَدُوا وَفَوْا، وَإِنْ حَكَمُوا عَدَلُوا، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه:
عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: "الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ , وَمَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ نَزَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِه"ِ.
ولا ريب أن الفقهاء الذين اشترطوا القرشية في الإمام حملوا هذه النصوص على ظواهرها ، بل وجعلوها مستند الإجماع الذي حكوه، والأحاديث التي اعتمدوا عليها صحيحة حتى إن ابن حجر ذكر في الفتح أنه ألف كتابا سماه "لذة العيش بطرق الائمة من قريش" وقال: إنها ترجع إلى نحو أربعين صحابيا ، وعد الحديث من المتواتر الحاصل به القطع، وإن ضعفت بعض رواياته غير أنها متفقة على المعنى فلا مطعن إذن في الصحة، وإنما الاعتراض على فصل النصوص عن مقاصدها والأحكام عن حكمها.
هل "القرشية" مجمع عليها؟:
لا تكاد القرشية تذكر في صفات الإمام إلا واقترنت بالإجماع لدى كثير من الفقهاء والمفسرين بيد أنه إجماع لم يسلم من الطعن تصريحا أو تلميحا من بعض محققي العلماء والفقهاء فالإمام القرطبي في عده لصفات الإمام يقول :"أن يكون من صميم قريش لقوله صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش وقد اختلف في هذا " (جامع أحكام القرآن 1/270)، وينقل ابن طاهر المقدسي في تاريخه بعد أن ذكر ما دار في السقيفة أنه "بقي الاختلاف إلى يومنا هذا فمنهم من يجيز الإمامة من أفناء الناس ومنهم من يقصرها على قريش" (البدء والتاريخ 5/123)، وفي شرحه لحديث القحطاني ينحو ابن حجر في الفتح هذا النحو يقول: "واستدل بقصة القحطاني على أن الخلافة يجوز أن تكون فى غير قريش "(فتح الباري 13/78) .
وقد روي عدم الاشتراط عن عدد من الأئمة المحققين كأبي بكر الباقلاني وغيره، يقول العمراني في البيان : "وقال أبو المعالي الجويني من أصحابنا: يجوز أن يكون من غير قريش" (البيان في مذهب الشافعي 12/09) ولم أقف على رأي الجويني هذا في كتاب الغياثي ولعله في بعض كتبه الأخرى.
ثم إن الذين نقلوا الإجماع على المسألة (وهم للأمانة كثير) محتاجون للجواب عن عدد من الأدلة الواردة بخلاف ما نقلوا الإجماع عليه، وهي ما يلي:
الأول: ما صح عن عمر رضي الله عنه من قوله: "..فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل "، ومعلوم أن معاذا غير قرشي ، وقد تأول مدعو الإجماع أن انعقاده كان بعد عمر (أضواء البيان (1/24)، وكيف يدعون الإجماع بعد عمر والمشهور عندهم أن انعقاده كان يوم السقيفة وحضور عمر يومئذ مشهود.
الثاني : ما أخرجه الترمذي في سننه وأحمد في المستند أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لو كنت مؤمرا أحدا من أمتي من غير مشورة لأمرت عليهم ابن أم عبد"، ومعروف أن عبد الله بن مسعود من بني هذيل بن مدركة وليس قرشيا ولا كنانيا.
الثالث : ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته"، ونقل ابن سعد في الطبقات نحو هذا: "لو أدركني أحد رجلين ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت به : سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح".
والحاجة إلى تأويل هذه الأدلة تنبه إليها ابن حجر حيث قال: "ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر" (الفتح 13/119).
ويقدح – كذلك – في دعوى الإجماع رجوع عمر – على القول به – عند جمع من الأئمة فقد اشترطوا في صحة الإجماع "انقراض العصر " (موت الأئمة المجمعين)، واحتج الإمام أحمد لهذا القول بما حصل في أم الولد، فإن حكمها كان حكم الأمة بإجماع ثم أعتقها عمر وخالفه علي رضي الله عنهما بعد موته، وحد الخمر كان أيام خلافة الصديق أربعين ثم جلد عمر ثمانين ثم جلد علي أربعين ولو لم يشترط انقراض العصر لم يجز ذلك، (انظر روضة الناظر 1/420).
فما إخالك – أيها القارئ الحاذق – إلا قد تقرر لديك أن إطلاق الإجماع في شأن "القرشية" بعد هذا لا يسلم من تجوز( إن لم أقل من اعتراض).
وإلى الحلقة القادمة
نقلا عن صحيفة "الأخبار إنفو"