تخطى الى المحتوى

الشنقيطي والجهاد بين فقه الامبراطورية وفقه الوطنية:

جدول المحتويات

أستاذنا الشنقيطي أهل للإبداع والتجديد يمده معين يملأ الدلو دون هز الرِّشاء ولا تحريك للمستقر في قعر الماء، ولذلك استطاع حمل لواء ثورة فقهية انتشرت سراياها في ميادين علمية عديدة، فلاقتردات فعل متفاوتة شدة ولينا، فالآراء التي يتبناها شعارا لثورته ووسيلة لتحقيق أهدافها ربما واجهت من يعترضها بحزم حتى يقول لسان حال الثوار المرددين لشعارات الشنقيطي هذا قمع للثورة وكبت للحريات، بينما يرى فريق المحافظين أن الشنقيطي يؤسس ثورته على فقه جديد حتى في قواعده وطرق استنباطه، ولذلك سميته فقه الوطنية نسبة إلى رابط بناء الأمم الذي يتبناه المتأثرون بالحضارة المعاصرة التي لا يروق لسادتها الرابط الديني؛ لأن ذلك يذكرهم بماض مقيت من الانحراف الذي ألبس لباس الدين، أما الأمة الإسلامية فلا يؤخذ بقولها في أسس بناء الأمم، وهي غير قادرة للأسف على فرض رؤيتها واقعيا، بل إن بعض مفكريها قد تخلى عن حمل تلك الرؤية نظريا! متبنين شعار الوطنية، وأنا أرجو ألا يكون أستاذنا الشنقيطي من أولئك، وأن يكون قوله في مقاله الأخير مجرد سبق قلم أو تحدثا بلسان الغير.

 قال الشنقيطي في مقاله سابق الذكر:

"وليس من اللازم أن يرفع الناس راية دينية ليكون قتالهم جهادا، بل يمكن القتال أيضا تحت راية الوطن والكرامة والحرية والاستقلال، دون أن يخل ذلك بمعنى الجهاد، أو بقبوله عند الله تعالى، فكل إعلاء للحق والعدل هو إعلاء لكلمة الله تعالى".

لم يكتف الشنقيطي للأسف بالمطالبة برفع راية الوطنية، بل جعلها مساوية لراية التوحيدالتي تتجاوز كل الحدود سعيا لإيصال الحق للناس جميعا، والتي لا تعترف بوطنية شرقية ولا غربية، ولا يحملها إلا أولوا النفوس الزكية التي لا تدنسها أهداف شخصية مادية كانت أو معنوية، وهم الذين تربوا على قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (متفق عليه)، فبأي وجه ساوى الشنقيطي بين راية الوطنية، وراية التوحيد الأبية!

الشنقيطي في حديثه عن الجهاد ذكر أن مسوغاته في الإسلام محصورة في ثلاث، لكنه قسم المسوغ الذي اصطلح الفقهاء على تسميته جهاد الدفع إلى قسمين، ولا حاجة لذلك، فاصطلاح الفقهاء أدق وأجمع؛ إذ يشمل معنى الآيات التي استدل بها الشنقيطي في المسوغين الأولين وهي قوله تعالى: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرِجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله" (سورة الحج، الآيتان 39-40)، وقوله تعالى: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخْرجْنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا" (سورة النساء، الآية 75).

المسوغ الثالث للجهاد عند الشنقيطي هو : "ضمان حرية العبادة للجميع دون قهر أو إكراه ليكون الدين لله خالصا".

هذا المسوغ فيه غموض؛ لأن فكرة مقال الشنقيطي كله تدور على نفي جهاد الطلب، ولذلك كرر كثيرا في مقاله المذكور أن الجهاد إنما شرع لرفع الظلم، وهو الذي عبر عنه بضمان الحرية وهو أَلّا يظلم الناس بإكراههم في أديانهم، أو بنقص حقوقهم الأخرى، وهو لايعدبسط سلطان الكفر ظلما مسوغا للجهاد؛ فلذلك كان في المسوغ الثالث غموض!

سبب عدم إقرار الشنقيطي بمسوغ جهاد الطلب هو أنهلا يرى أن الحكم بين الناس بغير شرع الله ظلم بذاته يسوغ الجهاد، وإن ادعى أربابه العدل، فذلك لا يتصور منهم على الوجه الذي يريده الله؛ إذ هم غير مؤهلين لذلك، فليس العدل الذي يرضاه الله هو مجرد توزيع المنافع المادية وأن تترك للناس حرية التمتع بها، بل العدل عند الله أسمى من ذلك؛ إذ لا يحصل إلا برد الناس مقتنعين إلى فطرتهم الأولى التي فطرهم الله عليها، وذلك يقتضي أن ينزع عنهم سلطان الكفر الذي يهبطون باستمرار حياتهم في ظله إلى منحدر سحيق القاع  من الظلمات تنتكس فيه الفطر، وينعدم فيه الخلق والكرامة، فما الذي أوصل البشرية إلى استحسان وأد البنات، وتشريع اللواط والشذوذ ؟ أليس هو سلطان الكفر الذي ثبتت أركانه وطال عليها الأمد؟ أيعقل بعد ذلك أن يتقاعس المؤمنون عن إزالة هذا الظلم إذا مكنهم الله من ذلك؟

نبه الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين على أعظم الظلم وأخطره، وشرعه لهم مسوغا للجهاد في سبيله، قال تعالى حكاية عن لقمان: "وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (السجدة/13)، وقال تعالى: الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (الأنعام/82)، ومما يوضح شناعة بقاء سلطان الكفر وتشريعاته، أن الله أطلق على من اتبع الرؤساء في التشريع بأنه اتخذهم أربابا، ففي حديث عديعن عدي بن حاتم قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال:"يا عدي اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ" [التوبة/ 32]، قال أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه"[الترمذي في السنن وقال غريب، وحسنه الألباني]، فالظلم بهذا المستوى الكبير لا يعد مسوغا للجهاد في رأي الشنقيطي، بالإضافة إلى أن أهداف جهاد الطلب تشمل قصد عرض رسالة الحق عن قرب بجعلها واقعا مشاهدا مألوفا لكل من يعيش في ظل دولة الإسلام؛ ليستيقظ بذلك ما تبقى من فطرة في الناس الذين عاشوا في الكفر أزمانا، وليسبق نور الحق إلى الأجيال القادمة قبل أن تطمس فطرتها البيئة الجاهلية؛ إذ ملة الكفر تصبح أقل خطرا على الفِطَر إذا عاش أصحابها في ظل دولة الإسلام، فتكون ملة الكفر إذن أشبه بالفيروس المضعف الذي يتغلب عليه الجسم، ويكتسب مناعة ضده، بذلك نفهم سمو الهدف الذي رسمه النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد بقوله "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" [متفق عليه].

تدرج  الشنقيطي من نفي جهاد الطلب لإعلاء كلمة الله إلى نفي شعار راية الجهاد في الإسلام، فقال: "الجهاد ليس موقفا اعتقاديا ضد الكافرين، بل هو موقف أخلاقي ضد الظالمين"، ثم كرر ذلك المعنى نفسه بقوله:"لم يجعل الإسلام اختلاف الدين مسوغا شرعيا للقتال، فالجهاد في الإسلام ليس قتال الكافر، بل هو قتال الظالم مسلما كان أو كافرا".

كيف يستقيم هذا يا شنقيطي والآيات والأحاديث متواترة على رفع راية العقيدة في قتال الكفار، قال تعالى:{فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5]، وقال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، وقوله تعالى-: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: 123]، وقوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73]، وقد سبق الحديث المشهور: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" [متفق عليه]، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (متفق عليه)، وكذلك حديث بريدة في صحيح مسلم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "اغزوا باسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله".

هل يمكن بعد هذه الآيات والأحاديث أن نمحو الشعار الواضح  للجهاد في الإسلام، لنستبدله بشعار غامض سماه الشنقيطي: (رفع الظلم)؛ ليبقى بعد ذلك الصراع فيما يعد ظلما مما لا يعد كذلك؛ فيؤول الأمر إلى تعطيل الجهاد للاختلاف في تصنيف الواقع، أهو ظلم أم لا؟ ذلك أمر ينزه عنه الشرع المنزل من لدن حكيم عليم، فليس شعار راية الجهاد من الأمور الاجتهادية، بل هو من الأمور المنصوصة، قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ…} [التوبة: 29]،  وقال النبي صلى الله عليه وسلم "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، وهذا الذي أكدته بقية الأدلة السابقة.

 

 

أدلة الشنقيطي على المعنى الذي قرره في مقاله:

حاول الشنقيطي الاستدلال لرأيه فقال: "ونصوص القرآن المحكمة صريحة في حصر القتال في نطاق صد العدوان، وفي اعتبار ما وراء ذلك عدوانا: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (سورة البقرة، الآية 190). أما النصوص الواردة في قتال "الكفار" أو قتال "الناس" من غير تحديد، فإن أداة التعريف "ال" فيها عهدية وليست استغراقية، وهي من العام الذي أريد به الخصوص، وقد خصصها سياق الزمان والمكان لأنها تتحدث عن "الكفار" و"الناس" الذين كان بينهم وبين المسلمين يومذاك حرب مشروعة لها مسوغ من المسوغات الثلاثة المذكورة أعلاه، وهي مسوغات مبنية على معادلة العدل والظلم، لا على معادلة الإيمان والكفر". انتهى كلام الشنقيطي.

يرد على هذا الاستدلال من وجوه:

أولا: أن هذا أحد الأحوال التي شرع فيها الجهاد، وهي أحوال تنزل عليها الآيات الواردة في الجهاد وهذا واحد منها، وقد عزا ابن المناصف في كتابه: (الإنجاد في أبواب الجهاد1/23) ذكر تلك الأحوال إلى كثير من أهل العلم، فكون مسوغ  الجهاد هو رد العدوان فقط تنفيه الغاية التي صرحت بها الآية التي بعدتلك في السياق نفسه، وهي قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله} [البقرة:193]، فقدفسر ابن عمر وابن عباس وعروة ابن الزبير الفتنة في الآية بأنها الشرك. (تفسير الطبري3/571) و(ابن عطية2/ 527) و(القرطبي 2/354) و(ابن كثير 1/525)، وقد ذكر القرطبي أن معنى العموم في قوله تعالى (وقاتلوهم) هو الأظهر، وهو الذي يؤيده الحديث: أمرت أن أقاتل الناس. (تفسير القرطبي 2/354)، قلت فبذلك تكون الآيات قد انتقلت من جهاد الدفع إلى جهاد الطلب، وهذا واضح من إعادة الأمر بالقتال بعد الأمر الأول لمن تأمل الآيات، قال تعالى:{ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}  [البقرة: 90-93].وأما قوله تعالى: (ولا تعتدوا…)، فقد نقل الطبري عن عمر بن عبد العزيز:أنّ المقصود بالاعتداء قتل النساء والذريّةومن لا يقاتل. (تفسير الطبري 3/ 562)، وأما قوله تعالى:{فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ } فمعناه: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين، فكُفُّوا عنهم. (تفسير ابن كثير1/526).

ثانيا: أن العهدية التي استدل بها الشنقيطي غير مرادة كما في قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5]، وهي من الآيات التي أشار الشنقيطي إلى أن الألف واللام فيها للعهد، وليست  كذلك بل لفظ المشركين عام، وإنما يخص بقوله تعالى في سورة التوبة نفسها : {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، على خلاف بين العلماء فيمن تقبل منهم الجزية، ليس هذا موضع بيانه،  والدليل على نفي العهدية في لفظ المشركين في الآية السابقة هو قوله تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:5]فجعل عهود المشركين المستمرين على الوفاء ممتدة إلى أجلها المحدد، ومعنى ذلك أنها غير قابلة للتجديد؛ إذ لا يصح للمسلمين في الوضع الجديد الذي نزلت فيه سورة براءة أن يبقى لهم عهد مع المشركين، وإن كانوا ذوي وفاء، وما ذلك إلا لأن اتصافهم بالشرك رد الحالة بينهم وبين المسلمين إلى الوضع الأصلي وهو وضع الحرب، مالم يخضعوا لسلطان الإسلام؛ إذ لم تكن معاهدات المسلمين مع المشركين في بعض الأوقات إلا لأن وضع المسلمين لا يسمح بطلب الكفار في أرضهم، فتكون مصلحتهم في المعاهدة، فإذا تغير موقف المسلمين إلى حالة القوة لم يكن لهم أن ينشئوا مع الكفار عهدا جديدا يستمر به سلطان الكفر، في الوقت الذي يمكن فيه إخضاعهم لسلطان المسلمين.

ثالثا: أن معنى العموم في الأمر بقتال المشركين هو الذي فهمه الصحابة كما تقدم، وكذلك من بعدهم، فهؤلاء أئمة الفقه قد ذهبوا إلى معنى العموم في الكفار الذين تجب مقاتلتهم، وهؤلاء الفقهاء لا يمكن نعتهم بفقهاء الامبراطورية كما قال الشنقيطي، وهذه أقوالهم على سبيل الاختصار:

-قال السرخسي: "ثم أمر بالبداية بالقتال فقال تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] وقال تعالى {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] ، وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» فاستقر الأمر على فرضية الجهاد مع المشركين وهو فرض قائم إلى قيام الساعة. (المبسوط10/203)، وهذا العموم هو الذي ذكره الكاساني في بدائع الصنائع (2/45)، وابن رشد في البيان والتحصيل(18/316)، والقاضي عبد الوهاب في التلقين (1/91) وابن عبد البر في الكافي (1/463)، والشافعي في الأم 1/293-294) وابن قدامة في الكافي (4/118).

العهدية في الألف واللام في لفظ المشركين أو الناس على الوجه الذي ذكره الشنقيطي لم أجد من قال بها في كل تلك المصادر السابقة، بل معنى العهدية التي ذكرها بعض شراح الحديث: هو أن تلك الألفاظ العامة أريد بها خصوص المشركين أو عبدة الأوثان، لكن ليس المقصود أنها في قوم بأعيانهم وجدت فيهم بعض مسوغات للجهاد من التي يقبل الشنقيطي، بل هي عامة في كل من اتصف بالشرك، أما الصنف الآخر من الكفار وهم أهل الكتاب، فقد أخرجوا بالنص من هذا الحكم على القول بأن الجزية لا تؤخذ إلا منهم، أو أن الآية الواردة في الجزية أعطت خيارا آخر في التعامل مع الكفار  كما دلت عليه أدلة أخرى.

هذا المعنى للعهدية في الأدلة هو الذي ذكره ابن حجر في الفتح في وجوه ذكرها للجمع بين الأدلة، فقال: "ثانيها أن يكون من العام الذي خص منه البعض" ثم قال: "ثالثها أن يكون من العام الذي أريد به الخاص فيكون المراد بالناس في قوله أقاتل الناس أي المشركين من غير أهل الكتاب" (فتح الباري1/77). أي المشركين عموما سواء كانوا محاربين، أو غير محاربين إذا كانوا أهل سلطان ومنعة، وقد ذكر العيني المعنى نفسه الذي ذكره ابن حجر (عمدة القاري1/181).

تنبيه: القول بوجوب جهاد الطلب لا يعني ترجيح القول بجواز قتل الكفار لمجرد الكفر، وإنما تجوز مقاتلتهم وقتلهم عند الامتناع عن الخضوع لسلطان المسلمين بعد تخييرهم بين الخلال الثلاث، إما الإسلام أو الجزية أو القتال، فإن اختاروا القتال فلنا أن نقاتلهم ونقتل المقاتلين منهم، وقد سبق ذكر الحكمة من جهاد الطلب، وأن الغرض منه ليس القتل، وإنما هو نشر نور الهدى تحت ظل سلطان العدل. 

بعد كل هذه الأدلة والنقول يحق لنا أن نعجب من العهدية التي ذكر الشنقيطي فلا الآيات ولا الأحاديث تفيدها، ولا الصحابة فهموها ولا من بعدهم، فلم يبق إلا أن تكون تجديدا بكل المقاييس كالفقه الوطني تماما، وكأن الشنقيطي أراد بهذا الفهم أن يضع لبنة في قواعد هذا الفقه الجديد الذي لم يكتمل بعد بناء قواعده!

تنبيه: ربما تركت التنبيه على بعض الملاحظات لأن أمرها أخف، أو خشية الإطالة.

أملنا أن يُجَلِّي أستاذنا الشنقيطي البصائر حول الجهاد في مقالات قادمة، وأن يبعد عن نفسه شبهة الفقه الوطني الذي يُعْشي الأبصار ويطمس البصائر. 

 

 

 

 

 

 

 

الأحدث