جدول المحتويات
لكن في أتون هذا الضخ الإعلامي الموجه بعناية ضاعت حقائق كثيرة ومهمة من اللازم التنبيه عليها احتراما لعقول الناس وحقهم في الاطلاع والمعرفة، وإنصافا للمظلوم ولو كنا نخالفه في كل شيء غير أصل الدين، ولكن كلمة الحق في الإسلام قيمة مقدسة وأمانة في عنق المسلم يجب عليه أداؤها ولو كانت لا تعجبه، وانطلاقا من ذلك أردت إبداء بعض الملاحظات، لكن أتقدم ـ أولاـ بالتعزية والمواساة لأسرة الطيار وللشعب الأردني الكريم، وأذكر شباب المسلمين بأن مثل هذه القسوة والشدة لا تخدم قضايا أمتنا، فحال أمتنا بلغ من السوء والفساد ما أصبح معه لا ينفعها إلا المخلصون الصابرون المنكرون لذواتهم المضحون بكل مصالحهم وما يملكون في سبيل استعادة كرامة الأمة وشرفها، الذين يتمتعون بطول نفس ونفاذ بصيرة ومستوى عال من الرفق والأناة.
لقد اتسمت تغطية وسائل الإعلام ـ عموما ـ لهذا الحادث المؤلم بكثير من السطحية يغلب على الظن ـ في مواضع كثيرة ـ أنها متعمدة بقصد تغطية حقائق صارخة كان من المفترض إثارتها ونقاشها في مثل هذه الظروف، لكن بدلا من نقاش هذه الأمور الجوهرية تم التركيز على الجوانب الشخصية في الموضوع بغية دغدغة عواطف الرأي العام والتلاعب بمشاعر المخاطبين، وتبارت أقنية الإعلام المختلفة في التركيز على القفص الحديدي الذي حبس فيه الأسير والنار تدب إليه رويدا رويدا وهو يقفز خوفا منها قبل أن تلتهمه ألسنتها فيستسلم لمصيره المحزن، وكذلك التركيز على حزن الوالدين المكلومين والزوجة الثكلى والأسرة المفجوعة، وكذلك التركيز على سن الرجل الذي لم يتجاوز الرابعة والعشرين وكيف أن إرهابيي داعش حرموه من الاستمتاع بحياته… إلى غير ذلك من الأمور الخاصة والجانبية التي لا يرتجى من إثارتها كبير فائدة، لكن قلما يسمع المتابع نقاشا جادا لأمور مهمة مثل:
· التساؤل عما كان يفعله الطيار الأردني في سوريا حيث أسره داعش هل كان يحمل مواد إغاثة للشعب السوري المنكوب بمصائب كثيرة: بشار ـ داعش ـ الجوع ـ البرد ـ التهجير، أم كان يقود طائرة أمريكية مقاتلة تحمل أطنانا من القنابل والصواريخ ليرميها فوق رؤوس بشر لهم آباء وأمهات وأزواج وأولاد؟ وهم إخوانه في الدين والوطن، فيحرق أجسادهم فتتطاير قطعا متناثرة متفحمة، أليس من الواجب على الجنود التمعن والتثبت والامتناع عن قتل إخوانهم في الدين وشركائهم في الوطن تلبية لرغبات أعداء الأمة؟
· لقد تحدث الجميع عن سوء المعاملة التي لقيها الطيار المقاتل الذي أسر في ساحة المعركة، وأسهبوا في كون هذه المعاملة مخالفة للتعاليم الإسلامية وهو أمر لا خلاف عليه، لكن مع ذلك ينبغي أن يكون هذا الحديث مدعاة لحديث مماثل عن وضعية سجون النظام الأردني، وكيف يعامل الأسرى داخل زنازينها؟ وهم في الغالب سجناء رأي غالبا ما تكون التهم الموجهة إليهم لها علاقة بتدينهم، ومن المعروف أن سجون النظام الأردني تمارس فيها أنواع من التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان ربما لا تمارس في مكان آخر من هذه الأرض المملوءة بالشر، لذلك لا غرو أن نرى أمريكا ـ وهي من هي في الغطرسة والجبروت ـ تحرص على الظفر بخدمات سجون النظام الأردني ذات الكفاءة العالية في إهدار كرامة الإنسان وتدمير نفسيته تحت أقسى أنواع التعذيب بغية تطويعه للسجان الأمريكي الرحيم!! قبل نقله إليه في معتقل غوانتناموـ الذي هو بمثابة فندق سبعة نجوم بالمقارنة مع معتقلات النظام الأردني ـ كما جرى مع المواطن الموريتاني محمدو ولد الصلاحي بحسب ما كشف عنه في مذكراته المنشورة مؤخرا، أما من لم يسعفهم الحظ بنقلهم إلى غوانتنامو فإنهم يبقون تحت أبشع صنوف التعذيب والقهر حتى الموت إلا من رحم ربك وقليل ما هم فأيهما أسوأ حالا أسرى داعش أم أسرى النظام الأردني؟!!
· كذلك من الحقائق التي ضاعت في خضم التغطية الإعلامية غير المهنية لهذا الحدث التساؤل عن الأسباب التي تجعل النظام الأردني وغيره من الأنظمة العربية تزج بخيرة شباب الأمة في معارك بالغة القسوة ضد عدو وهمي مختلق لا يشكل خطرا على شعوبهم ولا على أوطانهم بل خدمة لمصالح أمريكا وحلفائها في الوقت الذي تضن فيه أمريكا بإرسال جندي واحد إلى ساحة المعركة وفضلت أن تترك شباب المسلمين يقتل بعضهم بعضا وفي النهاية تكون هي وحلفاؤها وعلى رأسهم الكيان الصهيوني الرابح الوحيد من هذه المعركة، بل إن أمريكا أمعنت في الاستهانة بحياة الطيار الأردني، بعد رفضها التدخل لإنقاذ حياته، فقد تحدثت تقارير صحفية أن الطيار الأردني بقي حوالي نصف ساعة بعد هبوطه بالمظلة طليقا قبل وقوعه في أسر داعش، وهي مدة كانت كافية لإنقاذه لو تحركت أمريكا التي تملك وحدها الأجهزة والمعدات اللازمة لإنجاز مثل هذه العملية الخطيرة والمعقدة.
إن الحكام العرب عموما لا يسعون لمصلحة بلدانهم وشعوبهم وإنما كل همهم تلبية مطالب القوى المتنفذة عالميا لضمان بقائهم متربعين على كراسي الحكم في بلدانهم، ولا يهمهم بعد ذلك ما سيلحق شعوبهم ودولهم من الضرر، وهذا الأمر يمكن إدراكه ببساطة عند مقارنة مواقف الأنظمة العربية من سياسة الغرب في المنطقة بمواقف الأتراك والإيرانيين.
· من الضروري التساؤل عن سر هذه القسوة والوحشية المفرطة التي تتسم بها تصرفات داعش ضد أعدائها وخصومها، ومحاولة تحليل ذلك تحليلا منطقيا يتماشى مع معطيات الواقع، وأن لا نغتر بما دأبت عليه كثير من وسائل الإسلام من إرجاع هذه القسوة والعنف المتطرف إلى جهل داعش وظلاميتهم، وأنهم مرضى نفسيا ومختلون عقليا، قتلة مصاصو دماء، متخلفون فاشلون في الدراسة والعمل والحياة… إلى غير ذلك من التحليلات التي لا تخلو من البساطة والارتجالية والسطحية، ذلك أننا نعرف أن الظاهرة العنفية بشكل عام سواء كانت داعش أو القاعدة أو غيرهما تتشكل بالأساس من شباب معظمهم خريجو كليات ومعاهد عليا وحاصلون على شهادات في تخصصات مهمة أو لهم حظ من التعليم والاطلاع على التقنيات الحديثة والنجاح في مجال الحياة، فمثل هذه الأوصاف حتى ولو صدقت على البعض لا تصدق على الجميع، ولاسيما القيادات العليا التي هي صاحبة اتخاذ القرار.
إن مثل هذه التبريرات يراد منها بالأساس التغطية على الأسباب الحقيقية التي أدت لبروز الظاهرة العنفية وصرف الانتباه عن مسؤولية الأنظمة الفاسدة في خلق هذا الانحراف الخطير في شباب الأمة، تلك المسؤولية التي بالإمكان الإشارة إلى جوانب منها فيما يلي:
1 – شراسة القمع والعنف الذي يتعرض له شباب الأمة وقواها الحية من طرف الأنظمة المستبدة والظالمة.
2 – شيوع التعذيب والقهر في السجون والمعتقلات إلى حد يملأ قلب كل من عاشه أو سمع به أو قرأ عنه حقدا وضغينة ورغبة في الثأر والانتقام.
3 – انسداد الأفق السياسي وخيبة الأمل التي أصابت الأمة بعد القضاء على كل محاولات التغيير السلمي وسحقها تحت أحذية الجيوش الفاسدة.
4 –غياب العدالة ومعايير الإنصاف في معاملة الناس، مما جعل القدرة على الحياة الكريمة هي للحكام وزمرتهم فقط.
5 – عمالة الأنظمة العربية لأمريكا والغرب، بحيث تركوا دولهم وشعوبهم ضعيفة عاجزة مجردة من كل أسباب القوة والعزة والكرامة خدمة للأغراض التوسعية للدول الاستعمارية التي لا تنظر إلى دولنا إلا باعتبارها ساحة للقيام بالمهام القذرة المخالفة للقانون التي لا يمكنها القيام به على أرضها التي تخضع لحكم القانون، وفي نفس الوقت فإن هذه الأنظمة الفاسدة لا تتورع عن استخدام القوة المفرطة ضد شعوبها وتطلعها للحرية والكرامة، في ظل تواطئ مكشوف من الدول الغربية.
6 – الفساد الاقتصادي الذي ينخر جسم النظام العربي المترهل مما أٌوقع شباب الأمة في قبضة مخالب الفقر والبطالة، وأصبح الحصول على لقمة العيش رهن بتملق الأنظمة الفاسدة والتزلف لها ومجاملتها ولو على حساب كل قيم الحق والفضيلة.
كل هذه الأسباب وغيرها دفعت بالشباب إلى التطرف والعنف، وزادت حدتهما بزيادة بطش الأنظمة، فكلما أمعنوا في الظلم والإرهاب والتنكيل بشعوبهم زاد عدد الملتحقين بركب التطرف وغزا مجتمعات جديدة كانت في مأمن منه، فدخل إلى الأوربيين والأفارقة والآسيويين بعد أن كان محصورا في بعض المجتمعات العربية.