تخطى الى المحتوى

الانتهاكات القانونية والحقوقية في السجن المدني

جدول المحتويات

 

و عندما انتهى السكان من سرد حاجاتهم سألهم ولد عبد العزيز قائلا: هل يوجد عندكم سجن في المدينة.؟ فقالوا له لا. فقال لهم سأقوم ببناء سجن كبير للمفسدين ثم أتبع ذلك بضحكة متلعثمة غير متضحة المعالم..  ابتلع السكان تلك الإهانة الضمنية بعد أن ابتسم بعضهم ابتسامة صفراء كمجمالة منهم على نكتة تفتقر لكثير من اللباقة ودماثة الأخلاق..

تراكم المظالم .

تعتبر أحداث السجن المدني الأخيرة هي رأس جبل جليد المظالم والخروقات القانونية والإنسانية التي يعيشها قطاع السجون في موريتانيا والذي هو بمثابة ربع عزة في أسلوب السيطرة والتحكم الذي يمارسه ولد عبد العزيز متخذا منه أداة فعالة وتمويها قانونيا على جملة الممارسات الاستبدادية والتحكم المطلق في جميع مفاصل الحياة العامة والخاصة للشعب الموريتاني.

 

 قام وزراء العدل المتعاقبين وأعضاء النيابة العامة طيلة حكم ولد عبد العزيز بدور الشرطة السرية وملاحقة الخصوم السياسيين وتنفيذ رغبات ولد عبد العزيز في تمرير المظالم والانتهاكات بشكل يظهر الأمور وكأنها تسير وفق إجراءات عادية وهي في حقيقتها ليست أكثر من تحويل قطاع العدل إلى سكرتارية ملحقة بالقصر الرئاسي تنفذ الأوامر المباشرة دون أبسط مراعاة لقواعد الإجراءات والأنظمة الإدارية.


مثلا يمكن لولد عبد العزيز أن يساوم خصومه السياسيين والاقتصاديين بملاحقتهم قضائيا كما يمكنه أن يأمر القضاء بصرف النظر عن من ارتكب أشنع الجرائم و المخالفات .


يقوم وكيل الجمهورية في ولاية انواكشوط بتصميم القضايا وتكييفها حسب الطلب ولن يكون بوسع المدعي العام سوى أن يصادق معترفا بقصوره في الأمور النظرية عن مكانة وكيل الجمهورية دون أن يمنع ذلك المدعي العام من القيام بكل ما يراه مناسبا من تمرير المظالم والتحري عن شئون خصوم ولد عبد العزيز وملاحقة كل شاردة وواردة يمكنها أن تشكل سببا لانتهاك حرياتهم ومصادرة أموالهم.

 

يقوم فريق النيابة بوزارة العدل بتلك الأعمال وهم مطمئنون إلى أن أي فضيحة ستنسب إليهم على الرغم من أنهم مجرد أداة تنفيذية تم إيجادها لتبرئة ساحة الفاعل الحقيقي لجميع المظالم والخروقات دون حول منهم أو قوة.

 

يشبه وضعهم عملية بيع صريح مثاله: لقد اشتريت منكم ضميركم المهني والوظيفي والاعتبارات الأخلاقية لتنفذوا ما أرغب فيه من الفظائع مقابل التمتع بميزات وظيفة سامية.


وتعتبر قيم العدل والجمهورية وما يترتب عليها من أمن وسيادة وهيبة للدولة هي آخر ما يهتم به صاحب السلطة الآمر وما يتم استعراضه والحديث عنه من إصلاحات لايعدو أمورا تلوكها ألسنة العامة والحالمين بهدف تمرير المخطط الجهنمي.


في الساعة الخامسة والربع تقريبا مساء الجمعة تقدمت كتيبة من الحرس الوطني يتشكل أفرادها من كتيبة جومك وكتيبة الحماية في قيادة أركان الحرس وأفراد من السرية المكلفة بحراسة السجون و يقود هذه التشكلة ضابط برتبة رائد يسمى اسماعيل يعمل نائبا لقائد سرية السجون العقيد شامخ.

 

تقدمت الوحدة إلي المكان المخصص للزيارة والذي يعتصم به ثمانية أفراد من السجناء السلفيين محتجين منذ أسبوع على عدم إطلاق سراح السجين محمد سعيد ولد مولاي أحمد.


تقدم إليهم الرائد اسماعيل وقال لهم الآن يدخل عليكم وزير العدل للتفاوض معكم انتبه السجناء إلي لهجة السخرية في حديثه وقالوا له لما ذا يأتي لمفاوضتنا ونحن لم نطلب ذلك إنما نريد إطلاق سراح شخص انتهت محكوميته و أثناء الكلام معهم كان يلوح بيده لمجموعة الاقتحام التي بدأ أفرادها يملئون المكان وقد ارتدوا الدورع والخوذات ويحملون العصي والقيود الحديدية بأيديهم و تجمع أفراد منهم آخرون على سطح المبني يحملون صناديق القنابل المسيلة للدموع وعبوات غاز كريموجل وهو غاز يعمل على حبس التنفس ويسبب حروقا والتهابات حادة في الجهاز التنفسي والعينين .


بعد أن اكتمل أفراد القوة داخل المكان المخصص للزيارة وتم غلق الباب المؤدي إلي عنابر السجناء، قام الضابط اسماعيل بإعطاء إشارة بدء الاقتحام واشتبك أفراد الحرس مع السجناء. استخدم السجناء بعض العصي التي سحبوها من أيدي الحرس وبعض الحجارة وأدوات الشاي والطبخ التي كانت بحوزتهم واستمر الالتحام بين المجموعتين في مكان ضيق و بعد دقيقتين تقريبا من الاشتباك قام الضابط الذي يقف على سطح المبني ومعه بعض الأفراد بتوجيه القنابل الغازية على المكان بشكل كثيف جعل من كلا الفريقين يهم بالتخلص من الموقف وأصبح الهم الأكبر لأفراد الحرس هو التخلص من الاختناق وذهب الضابط قائد الهجوم يريد الخروج من المكان فمسك أحد السجناء قميصه فتخلص منه وعليه إشارة الرتبة.

 

وقام بعض السجناء بغلق الباب الأمامي الذي خرج منه الحرس بعد محاولة الاقتحام و بعد ذلك فتحوا الباب المؤدي إلي العنابر ليدخلوا منه ودخل معهم أفراد من الحرس مبتعدين عن مكان القنابل الغازية فتواصل إطلاق القنابل الغازية من سطح السجن ووقعت إغماءات في كبار السن من السجناء والمرضي فخطرت على بال السجناء فكرة أن يأخذوا الحراس الذين دخلوا معهم ويولحوا بهم من أجل إيقاف الهجوم بالقنابل الغازية الذي أغرقت السجن وخاصة القاطع الثامن والسابع ويقطنهما بعض رجال الأعمال وموظفين عموميين.


و عندما صرخ السجناء بضرورة إيقاف القنابل الغازية وإلا فإنهم لا يضمنون سلامة الحرسيين فتوقف الهجوم وبدأت القصة تنتشر في حدود السادسة والنصف وتفاعل معها الرأي العام.

 

هذه الرواية مأخذوة من أحد السجناء المعتصمين ممن اشتبكوا مع الحرس وقد رواها أثناء اتصال هاتفي يوم أمس الأحد الموافق
25/01/2015

ويضيف هذا السجين بأن فترة اعتصامهم لم يتخللها أي عنف أو تهديد به وإنما كانوا يجلسون مع الحرس بشكل طبيعي و يشربون الشاي معهم ويتناولون الوجبات طيلة الاعتصام مع علمهم بأن محيط السجن يعج بأفراد الحرس القادمين من كتائب أخرى ولم يخطر لهم على بال أن الأمور ستتجه إلى هذا المنحى لأنهم يطالبون بحق يكفله القانون ومسلم به عند الجميع وحتي الحرس وإدارة السجن كانوا يقولون لهم بأنهم أبلغوا الجهات المعنية وأنهم يعلمون أن هناك خرقا قانونيا وإن السجناء الذين سبقوا محمد سعيد وانتهت محكوميتهم مثل الطيب ولد السالك والطالب ولد احمدناه تم إبلاغ السلطات بنهاية محكومية كل منهم فور انتهائها.


وقبل أكثر من شهرين حدثت ضجة عندما تأخر إطلاق سراح السجين سيد ولد الداه وبعده السجين أحمد ولد المختار وكلاهما تأخر موعد إطلاق سراحه لمدة أربعة أيام على الأقل وعندما يقوم باحتجاج يتم إطلاق سراحه دون أي استخدام للقوة و هذه الأمور كلها معلومة لوزير العدل وأعضاء النيابة العامة.


وتضيف رواية السلفيين بأن هناك خروقات أخرى تتعلق بمنعهم من درجات التقاضي والتذرع بأي حجة من أجل تجاوز الإجراءات القانونية وليست قضية انتهاء المحكومية والحبس التحكمي هي كل ما في الأمر بل هناك أنواع من التلاعب بالقضايا القانونية والاجرائية ومن أمثلتها السجينين التقي ولد يوسف و السالم ولد همد المشمولين في الملف رقم : 465/2008 بعد عدة سنوات من منعهم من الوصول للدرجة الاستئنافية قدموا لها قبل شهرين وأثناء محاكمتهم أصدر القاضي حكما بعدم قبول استئنافهم لأنهم لم يقوموا بالطعن في الحكم الابتدائي في الأجل القانوني المحدد لذلك فقالوا بأنهم متأكدون من أنهم طعنوا في الأجل القانوني وقام محاميهم باستخراج وصل يثبت طعنهم في الأجل القانوني وقدموه لقاضي الاستئناف وعندما أيقن القاضي بصواب رأيهم  أصدر أمرا بإعادة محاكتهم فاحتفظ المدعي العام بملفاتهم ولم يقدمها للبرمجة.

 

وقد مضى على هذا الاجراء أكثر من ثلاثة أشهر و لحد الساعة لم يحصلوا على محاكمة ولم يقم هذان الشخصان بأي تشويش وقد أمكن التأكد من هذه الرواية من خلال المحامى المتعهد في ملفهما.


هناك حالات أخرى من الأحكام التعسفية لا تقل فداحة فقد حدث أن برأت محكمة الاستئناف أشخاصا فتم حبسهم تحكميا لمدة شهرين ثم أصدر عليهم قاضي الاستئناف أحكاما بخمس سنوات لم يراع فيها أي إجراءات عادلة وبدون أي مبررات معتبرة لتغيير تلك الأحكام وهي قضايا معروفة ولا زالت قائمة ويمكن التأكد منها في أي وقت.


هذا فضلا عن التمييز الحاصل في معاملة السجناء المتهمين بقضايا الإرهاب فمن لديه وساطة أو تدخل يمكن الإفراج عنه مهما كانت تهمته كبيرة ومن لا يحظي بذلك يمكن رميه في السجن لعدة سنوات مهما كانت بساطة تهمته.


وسواء كان التدخل من طرف أسرته أو من طرف نافذين أو حتي من طرف تنظيمات إرهابية فكل ذلك يكفي لحصوله على معاملة تفضيلية مثل ما حدث مع عمر الصحراوي وعبد الرحمن المالي و غيرهم.


ليس الفاعل في قطاع العدل والسجون هو الادعاء العام وحده فهناك أحد رؤساء المحاكم يتصرف بشكل مطلق ودون مراعاة لكافة الأنظمة والقوانين مستندا على صلته القبلية مع رئيس الجمهورية مما جعله في وضع يستطيع من خلاله على صلته القبلية مع رئيس الجمهورية مما جعله في وضع يستطيع من خلاله الخروج على الترتيب الوظيفي في سلك القضاء ومعاملة المراجعين وأصحاب القضايا بشكل فج ولا أخلاقي وهو ما جعل هيئة المحامين تقاطع جلسات المحاكمة التي يرأسها طيلة الصيف الماضي ولكن ذلك لم يحد من نفوذه بل تمت ترقيته خلال الاجتماع الأخير للمجلس الأعلى للقضاء وهو ما يوحي بسنة قضائية مليئة بالأحكام الغريبة والمجحفة.


و من أمثلة أحكامه الخارجة عن كل اعتبار ما قام به في الملف رقم:
1078/2013 حيث قام بتبرأة المتهمين الرئيسين وإلصاق التهمة بمتهم غير أساسي سبق أن قام قاضي التحقيق بتبرأته وأيدت حكمه غرفة الاتهام وهو ما يعتبره كثير من أهل الاختصاص أمرا محيرا ولا يمكن فهمه.


من المستبعد أن تحصل مراجعة للسياسة العدلية فما تعاني منه أمرا متعمدا وأسلوب حكم لا يمكن الاستغناء عنه أن مفهوم قوة القانون بدلا عن قانون القوة يعتبر أمرا خياليا بالنسبة لمن يمسكون بزمام الأمور وهذا هو التفسير الوحيد للصعوبة التي تواجههم في تطبيق القانون وفرض سيادته و سهولة خضوعهم لمنطق القوة مهما كانت بساطتها محافظة منهم على إبقاء الحال على ما هو عليه.

 

بعض الروايات حول كواليس أحداث الجمعة العظيمة:

بعد حديث وكيل الجمهورية في التلفزيون ومحاولته تبرأة ساحته ترددت معلومات عن أسباب الهجوم حيث تم تنفيذه من خلال الرائد اسماعيل وتربطه صلة قبلية بوزير العدل وتقول بعض من روايات أفراد الحرس والسجناء أن الضابط اسماعيل تحمس لعملية الاقتحام بعد أن تم إبلاغه بأنها مهمة تشريفية من طرف رئيس الجمهورية لأنه بلا شك سيكون شاكرا لمن يقوم بهذه المهمة وأنه سينال الثقة التي تقاصر عنها بقية الضباط ملتزمين بالحفاظ على مبادئ حقوق الإنسان وسلامة المنشأة.

 

وقد عززت قرينة يعرفها كل العاملين في الأمن والقضاء للضابط اسماعيل ما قيل له و هذه القرينة هي أن ملف السلفيين يدار مباشرة من طرف رئيس الجمهورية ويعتبر هذا من المسلمات فاندفع الضابط اسماعيل لذلك وسارت الأحداث على ذلك النحو المؤسف.


أيضا تطرقت بعض المصادر عن ظهور وكيل الجمهورية إثر أحداث السجن وهو الذي غاب عن أي تصريح حول حادثة الدهس المتعمد التي راح ضحيتها واحد من أفراد الشرطة أثناء مزاولته لعمله الرسمي فلم يكن هناك حديث ولا أي تعليق من طرف أي مسؤول رسمي عن هيبة الدولة ولا وجود لذلك الحماس لفرض القانون ولا حتي لمعالجة ذلك الشرطي بعد قيام أهله بمظاهرة مطالبين بتوفير العلاج له وذلك برفعه إلى أحد المستشفيات الخارجية التي يمكنها وقف النزيف الداخلي الذي أدى لوفاته قبل يوم واحد من أحداث السجن المدني.

 

و تناولت مصادر أخرى التعليق على كلام الوكيل عن عدم وجود أي حالة من الحبس التحكمي وكأنه لا علم له بحبس قائد فرقة أولاد لبلاد الذي فرضه عليه أقرباء الرئيس ولد عبد العزيز بعد تهديدهم له بالحبس والذي استمع له وكيل الجمهورية نفسه أثناء استجوابه لقائد الفرقة حماده حيث تحتفظ فرقة أولاد لبلاد بالتسجيل الذي تم تهديدهم فيه بالسجن طيلة حياتهم إذا لم يتراجعوا عن أغنيتهم المسماة "كيم لا توحل" وهو ما دفع ببقية أفراد الفرقة إلى المغادرة للخارج خوفا من إلحاقهم بزميلهم.


هناك بعض الملابسات الأخرى في الأشهر الأخيرة يمكن من خلالها تسليط الضوء على ممارسات الادعاء العام ومنها على سبيل المثال تحريف المساطر القضائية بهدف الضغط في القضايا المالية التي تتعلق بالخصوم السياسيين أو الاقتصاديين لولد عبد العزيز مثل ما هو حاصل في قضية موريس بنك حيث تم تحريف المسطرة بهدف الضغط على رجل أعمال شكل منافسة في مجال البنوك لم ترق لولد عبد العزيز بحسب هيئة الدفاع عنه.

 
والتي يتزعمها نقيب المحامين الموريتانيين كما أن إلغاء عقوبة الإكراه البدني شكل صدمة للادعاء العام فعمدوا الي تحويل أي مطالبة مالية مدنية إلى قضية جزائية من قبيل خيانة الأمانة أو التحايل و مهما كانت الوثائق صريحة في طبيعة المعاملة المدنية فإن ذلك لا يمنعهم من تحريف مسارها واستخدام وسائل الضغط والتعذيب ليعترف المتعامل بجرمه الذي يمكن الادعاء العام من محاكمته جزائيا خدمة لطرف تربطه صلة قرابة أو معرفة بأحد أعضاء الادعاء العام أو اعتبارات أخرى لا داعي لذكرها.

خلاصة

من المسلم به أن السلطة القضائية هي الضمانة الوحيدة لقيام الدول فكل السلطات يمكن الاستغناء عنها أو تغيير طبيعتها ولكن استقلالية القضاء ونزاهته مسألة لا تمكن المساومة عليها لضمان حياة الناس وأمنهم ومعاملاتهم.


وهذه الأحداث المؤسفة التي حصلت في السجن كان سببها المباشر هو الامتناع عن تطبيق القرارات القضائية و يمكن الاعتبار بكل من المسلم به أن السلطة القضائية هي الضمانة الوحيدة لقيام الدول فكل السلطات يمكن الاستغناء عنها أو تغيير طبيعتها ولكن استقلالية القضاء ونزاهته مسألة لا تمكن المساومة عليها لضمان حياة الناس وأمنهم ومعاملاتهم.


ويمكن الاعتبار بكل أسف أنه بعد أن حصلت الأحداث تم تطبيق تلك القرارات بأسرع من لمح البصر ولكن بعد أن حصل ما حصل.


يوسف ولد محمد سعيد
بتاريخ  26/01/2015

 

الأحدث