جدول المحتويات
لقد شهد البلد منذ الإطاحة بالرئيس السابق السيد معاوية ولد سيد أحمد الطايع أربعة حوارات على الأقل: حوار 2005 ، الذي جمع المجتمع السياسي والمجتمع المدني بإشراف المجلس العسكرية للعدالة والديمقراطية الذي أطاح بنظام ولد الطايع؛ ثم الحوار الذي جمع بين الانقلابيين وداعميهم وتكتل القوى الدمقراطية، الذي ظهرت فيه "موريتانيا الأعماق بقوة" لفرض ترشيح ولد عبد العزيز الذي كان قد وعد بأنه لن يترشح للرئاسيات؛ ثم حوار "دكار" سنة 2009؛ ثم بعد ذلك حوار المعاهدة من أجل التناوب السلمي على السلطة مع ولد عبد العزيز وأغلبيته. وها نحن الآن نتهافت إلى حوار جديد مع الرجل الذي خاننا للمرة الألف، وكأننا لم نحاوره من قبل، وكأنه ليس الثعلب الذي اعتدنا خداعه ونكثه لعهوده!
يبدو أننا لم نستوعب الدرس، ومن بلادتنا لا زلنا نصدق أن "المزود" قد يمتلئ من الكذبة الألف! لقد خدعنا محمد ولد عبد العزيز مرات كثر وخدع غيرنا. خدع كل من خالطه وكل من صادقه وكل من اقترب منه وضحك على شيوخنا ووصفهم بالعجزة لما استحكم خداعه لهم، ثم بعد ذلك وصفهم بالمفسدين عند ما لم تكن له بهم حاجة؛ وريث ما تكون له يقترب "متمسكنا" مداهنا حتى يكيد لهم مرة أخرى.
والغريب في الأمر هو أنه ينجح دائماً بالإيقاع بهم. فيا ترى، ما مشكلة هؤلاء؟ قيل في القديم، أن "المزود قد يمتلئ من الكذبة الأولى، ولكن الكذبة الثانية لا تجعل فيه شيء "؛ وقيل إن "العاقل لا يلدغ في الجحر مرتين". فما بالَنا يخدعنا كل مرة؟ أم أننا لسنا عقلاء أصلا؟ أم أننا متآمرين معه ضد شعبنا؟ قد يصدق فينا القائل أننا مجرد دمى أهلكها الدهر، يقلبها ذلك السفيه بين يديه ذات اليمين وذات الشمال!
يدعونا اليوم محمد ولد عبد العزيز للحوار بعد تجاهله وتسفيهه لنا ردحا من الزمن، سنين دون أن يولينا أي اهتمام. يرجع إلينا اليوم بنفس السيناريو الذي خدعنا به سنة 2009 وسنة 2011، لما ارتاع من إعصار الربيع العربي فدعانا للحوار دون تقديم الضمانات المطمئنة، وبغض النظر عن ذلك وثقت مجموعة منا وركنت للحوار معه. وبعد انتهائها من الحوار تغنت برائع النتائج التي حصلت عليها والاتفاق الذي وقعه معها متناسية أن الرجل هو ذاته الذي وقع اتفاق دكار ولم يحترم وعوده؛ لتستيقظ بعد ذلك من غفلتها وتدرك أن الماكر كاد لها من جديد ونسف نسفا ما تغنت به واحتسبته انجازا لها؛ ثم تجلس بعد ذلك تتباكى على الهوى بعد ما سخر منها في الانتخابات وقزم حجمها: "يا ويلها لقد خدعها".
لم تكن تلكم أول الخدع التي تعرضنا لها، لقد خدعنا قبل ذلك في اتفاق دكار. خدعنا إبان المفاوضات الأولية في نواكشوط عندما تراجع عن الالتزامات التي أخذها عليه ممثله في المفاوضات السيد سيد أحمد ولد الرايس ليقيله بعد ذلك ويستبدله بمحمد يحيى ولد حرمة (احويات) مفشلا الحوار بذلك. ثم خدعنا أيضا بعدما انتقلت المفاوضات إلى دكار وتم الاتفاق على حل المجلس العسكري ووافق عليها ممثله في دكار قبل أن ينقلب على ذلك لما خلص المتحاورون إلى انواكشوط، ثم ماطل بعد ذلك في تطبيق بنود الاتفاق التي كان يجب تطبيقها قبل انطلاقة الحملة الرئاسية. ماطل إلى أن لم يبق من الوقت دون انطلاق الحملة إلا 48 ساعة، ليتهافت القوم لإيداع ملفاتهم لدى اللجنة المستقلة للانتخابات خلال الوقت الضائع من الوقت المحدد لاستقبال الملفات، تهافتوا لإيداع ملفاتهم كأنهم إلى نصب يوفضون.
خدع قبلهم معاوية ولد سيد أحمد الطايع الذي أوكل إليه حرسه الشخصي فتمثل له كالابن البار حتى كاد به من حيث لا يحتسب. فعل نفس الشيء بالرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله الذي لم يكن يمر على اسمه من شدة إظهار الخضوع له، فكان يناديه "بوالدي"، حتى أن أبناء سيدي أصبحوا محرجين من المتملق الذي يكني والدهم بـ"أبي" في حين كانوا هم يدعونه باسمه عندما ينادونه؛ فعل ذلك حتى تمكن منه، فرقاه هو والضباط المتآمرين معه كل الترقيات العسكرية التي كانوا يحتاجونها لتتسنى لهم الإطاحة به.
خدع رجل العمال محمد ولد بوعمات الذي كرس له أمواله وعلاقاته الوطنية والدولية لإنجاح انقلابه؛ خدع اعل ولد محمد فال. أوهمه أنه سيرشحه ويدعمه بعد انقلابه على الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله قبل أن ينكث العهد ويترشح هو شخصيا ليدرك ولد محمد فال أن الحيلة انطلت عليه فيرمي بنفسه يائسا في المنافسة الانتخابية بعد ما نومه وحيده خلال فترة مناهضة الانقلاب التي تفرج عليها كأنه غير معني بما يجري مع أنه هو من حكم المرحلة الانتقالية وتعهد، بل وأقسم هو ومجلسه العسكري بالحفاظ على الديمقراطية والحيلولة دون الانقلابات.
خدع احمد ولد داداه إبان انقلابه على الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله. تعهد له أن يرشحه للرئاسيات ويدعمه معللا، أنه بذلك يصلح خطأه الذي ارتكب بدعمه للرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله على حسابه في الانتخابات التي ختمت المرحلة الانتقالية الأولى، مما جعل صاحبنا يسمي الإنقلاب: حركة تصحيحية. خدع العلامة ولد الددو، قربه واصطحبه في التدشينات ودعاه للمناسبات السياسية قبل أن يبعده ويرسل عليه أحد مترفيه ليعتدي عليه جسديا.
خدع حزب المعارضة الناصحة التي انسلخت من الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية وتعاملت معه على أنها ناصحة غير ناطحة، فنطحها إلى أن تداعت لمكان قدومها الأصلي. لم يسلم أحد من خديعة الثعلب الماكر، خدع المواطنين وخدع الأجانب، خدع كل الناس.
خدع السَّنوسي حتى استجلبه إلى موريتانيا ثم باعه للثوار الليبيين، وكان السنوسي هو من هندس له انقلابه على ولد الطايع، وكان من روض له المواقف الإفريقية والدولية بأموال العقيد الليبي الطائلة التي كرسها لإنهاء الحلم الدمقراطي الذي كانت تشهده بلادنا خوفا من عدواه، فجرفه عن حين غرة، طوفان الثورة الليبية! خدع أحمدي نجاد رئيس إيران حينها؛ توجه إليه لما حاصره الغرب على انقلابه وريثما فك الغرب حصاره ارتمى في أحضانه وتنكر لأحمدي نجاد.
خدع الرجل كل أحد، فرق بين أحزاب المعارضة، شتتها. تقرب من بعض "الزعامات" حتى يتسنى له المكر بها، ثم بعد ذلك اتهمها بالفساد وادعى امتلاك ملفات تدين فسادها، وأنها أصبحت رهائن عنده لا تقدر على مواجهته، ويستخدمها كل ما أراد تكليفها بمهام تخريبية للمشهد السياسي أو شق صفوف المعارضة. هذا هو ثعلبنا الذي تنوون الحوار معه هذا الذي خدعكم ألف مرة ومرة، أفلا تتعظون؟ أما زلتم تأملون منه الصدق واحترام الالتزامات؟ عجبا لكم، كأنكم لا تعقلون! أو أن الران على قلوبكم، أو بآذانكم وقرا!
إن ولد عبد العزيز لا يريد إصلاحا ولا يعترف بوجود أزمة سياسية أصلا، ولقد كرر ذلك مرارا وتكرار وما زال يكرره. أتحداكم أن يكون ولد عبد العزيز اعترف يوما واحدا بوجود أزمة سياسية في البلد أو أن يكون اعترف بإقصاء تتعرض له أطر المعارضة أو رجالات أعمالها، وتصريحات الوزير الأول الحديثة تأكيد ذلك، عند قوله في برنامجه المقدم أمام البرلمان، بدمج أطر ورجالات أعمال المعارضة إن "وجدوا". الرجل لا يحس بالمشاكل التي تطرحونها ولا يعترف بها أصلا، فكيف تنتظرون أن يقدم لها حلولا؟ أو أن ينفذ بنود اتفاق لحل مشاكل يعتبرها وهمية، في اذهان عجزة إلتبس عليهم الليل بالنهار؟ إنكم إلا تظنون، إن لم تكونوا تتوجسون أو تتخيلون! أو أصابكم الخرف؟ إن كان بكم خرف فذلك ليس عيبا، الخرف يصيب كل من كبر وشاخ، بل العيب أن تختزلوا العالم همومه، مصالحه وأحلامه في طموحات رئاسية بقت خلفكم، ثم لا تظنون مؤهلا لها سواكم!
إنني أحذركم وأنصحكم، إن ولد عبد العزيز يريد ليوقع بكم مرة أخرى، فهو يعي أن مأموريته الثانية انقضت، لأن ما بدء انتهى ومأموريته بدأت منذ السنة الماضية؛ وهو الآن يبحث عن حيلة لإطالة عمره في السلطة، ويدرك أنه لا إمكانية للمطالبة الصريحة بتغيير عدد المأموريات الرئاسية، فعمد إلى الخدع التي يجيد محاولا أن يستفيد من خوفكم من التقاعد من الترشح للرئاسيات إذا ما انقضت مأموريته وأنتم لم تترشحون خلال ذلك، إذ أنكم حينها تكونون بلغتم سن التقاعد السياسي! فهو يعرض للشيخين طعم الترشح للرئاسة ليهزمهم مرة أخرى، ويتيح له ذلك الترشح لمأمورية ثانية – ثالثة تطيل بقائه في السلطة وتطيل في ذات الوقت محننا، لا قدر الله.
إن خدعة الحوار، هو الكاسب الوحيد فيها، فالنتائج لن يطبق منها إلا ما يخدمه، ولا أحمد ولد داداه يستطيع هزيمته في الشوط الأول ولا مسعود يستطيعها. وفي أحسن الأحوال، إن وصل أحدهما ضده الشوط الثاني، فإن الآخر سيصوت على ولد عبد العزيز بدل التصويت لغريمه في النضال كما حدث ذلك في السابق بينه وبين أحدهم قبل أن يكون بينهم حلف معلوم، فما بالك إن حدث ذلك اليوم؟ وسيفعلها، بالترجيح الثاني إنتقاما "اللِّ غظكْ ما عظيتُ ايقولْ عنكْ بلا سنينْ". وعليه سيكون الفائز في اللعبة، كالعادة محمد ولد عبد العزيز وتكون موريتانيا هي الخاسر الكبير. لأن زيادة محكومية ولد عبد العزيز ولو ليوم واحد، كارثة إضافية من نهب المال العام والاستخفاف بثقافة البلد وتشتيت معارضته وتهديد وحدته الوطنية.
وفي الأخير فإنني أدعو جميع الغيورين على مصلحة هذا البلد، للحيلولة دون حدوث انتخابات رئاسية مبكرة، وكذلك لرفض تعديل مواد الدستور المتعلقة بعدد المأموريات وبسن الترشح الدنيا والقصوى. عاشت موريتانيا فوق المصالح الأنانية والطموحات الضيقة!