تخطى الى المحتوى

دردشة مع وثيقة التواصليين الوطنية

جدول المحتويات

داخلها وكانت لي جملة من الملاحظات منها ما هو عام حول أي عمل تنظيري تصدره جهة سياسية ومنها ما هو  خاص بالورقة ومضمونها .


بداية جميل أن تصدر ورقة عن حركة سياسية مهما كان تموقعها في التصنيفات الفكرية السياسية العربية ..وفي الساحة الوطنية .. هذه  خطوة تستحق الإشادة أن تمتلك الحركات السياسية أوراقا حول القضايا الوطنية وهذه خطوة تذكر للبعثيين وتشكر لهم انطلاقا من ورقتهم الأولى رؤية وطنية مرورا بورقتهم البعث والحراطين وليس انتهاء بالأوراق التي تصدر من وقت لوقت عن شيخ هؤلاء ومرجعيتهم الأستاذ محمد يحظيه .. إنها ثقافة كرسوها ولهم الشكر .


الورقة الأخيرة لتواصل جد مهمة في هذا السياق ..لكن المفترض أن تكون رؤية بمعنى الرؤية تنطلق من التصور النظري وتناقش المشكل وتتعامل مع الواقع .. في هذه الحالة نكون أمام رؤية ، الخروج من الواقع يجعلنا أمام مثاليات والكتابة دون تنظير فكري يجعلنا أمام إنشائيات أدبية لا تحل المشكل بقدر ما تساهم في تضبيب الصورة .


الورقة الأخيرة المستندة على المطلوب من الدولة لحل المشكل يعيدنا لمشكل قائم في الأدبيات الإسلامية حول العلاقة بالدولة والمخول للدولة التصرف فيه وكيف تكون الدولة فاعلا في الحالة الاجتماعية الإسلامية دون التغلب على التصورات اللا إسلامية القائمة في تفكير الدولة الموروثة بشكل عام من المستعمر أو مستوردة من تجربته التسييرية .


الورقة تنطلق من ضرورة نشر الخطاب الإسلامي الصحيح .. هذا يضعنا أمام إشكال معقد ،أي خطاب إسلامي صحيح يجب نشره .. نحن امام عشرات الخطابات الإصلاحية والتي انطلقت من أرضية فكرية إصلاحية مجتمعية وتحولت لأحزاب سياسية تتصارع وفق الخطاب الرسمي القائم للدولة ولم تعد تتحرك انطلاقا من خطابها بقدر ما تتعامل مع الواقع ببراجماتية ونفعية ، ثم إن هذا الخطاب تنوع وتعددت سلوكياته رغم وحدة المصدر لما لا يمكن معه الاتفاق على خطاب واحد أو رؤية واحدة .


الورقة تطالب بسن قوانين تجرم شيئا وتحلل شيئا .. وهذا يفقدها القدرة على ان تكون رؤية لأن القوانين لا تحل المشاكل المجتمعية ، إنما تسعى فقط لتنظيم الصراع والتنافس حولها، ثم إن القوانين المدنية لا تحل المشاكل الحقوقية او التاريخية انطلاقا من رؤية أو خطاب إسلامي .. إننا هنا نورط القانون أو نورط الخطاب الإسلامي.

الأزمة الأكثر تعقيدا هو ربما عدم إحاطة بطبيعة المجتمع أو بطبيعة النظام العام الذي يحكمه، فالورقة تطالب بتوسيع اللامركزية ومنح صلاحيات كبيرة للبلديات وإعادة التقطيع الإداري بما يلبي الخصوصية المجتمعية الإثنية يمايعني قانونيا جهوية موسعة، وهذا يعني مع الزمن القول في أوراق أخرى منتظرة الحكم الذاتي كنهاية حتمية للجهوية الموسعة .. كيف لمن يفهم تكوين بلد لم تنجح المركزية في ضبطه وتوجيهه أن يسعى للامركزيته أكثر .. السياسة هنا أهم من القانون والمجتمع أهم من الدولة والرأي هنا أهم من النص يجب الوعي بهذا في أوراق مقبلة .


دعوة العلماء مهمة جدا في هذا الباب وهو شيئ يذكر للورقة كنوع من التنبه لدور الفاعلين المجتمعيين .. لكن التموقع السياسي يلغي طبيعة التعريف الإتفاقي للعلماء والدعاة .. هناك علماء يرفض القول بفقهيتهم أو حتى بأستاذيتهم فتخاطبهم جهات سياسية وأجنحة إعلامية تتبع لها بصفات بسيطة يمكن أن تطلق على العامة ما يفقد الرأي العام القدرة على تحديد العلماء من غيرهم ما يعرقل الفكرة التي تقدمت بها الورقة ، السلوك العام مهم جدا ويجب ان لا يأتي التنظير بشيئ يناقض السلوك الصادر من نفس الجهة .


مهم جدا أيضا في الورقة التنبه للتعليم الأصلي وتعزيزه .. لكن تعزيز التعليم الأصلي يكون من خلال ذات التعليم المنطلق من الحاضنة الاجتماعية المحلية ، ولا يكون عبر تعزيز او تطوير تعليم تقليدي انطلاقا من مرجعيات فقهية وأصولية أخرى ليست بالضرورة ملائمة للواقع الاجتماعي هنا .. ببساطة ليست من نتاجه وإفرازه وليست نتيجة لاجتهاد علمائه وفقهائه .


الورقة أيضا تحمل تصورات أخرى جد مهمة لكن صعب تقديمها كقوانين او سنها كتوجيهات .. تعزيز الوحدة الوطنية من خلال تشجيع المصاهرة كيف تكون هذه .؟ لا يمكن إلغاء عقليات المجتمع  بالقانون بقدر ما تكون ببناء الوعي والوعي يبنى بالزمن الذي هو صانع الإنتقال والمفكرون خلف الورقة واعون أكثر لهذا ولتجارب مماثلة فشلت في السودان وفي مصر .


 لا تخلو الورقة من المستحيلات .. الحديث عن تطهير الثقافة الشعبية !! كيف يمكن لا تملك التكنلوجيا بعد اي مسحوق او علاج يستطيع تطهير العقل او غسيل المخ .. ثقافة اي مجتمع جزء من تاريخه وتظل وفق سياقها جزء من تاريخها لا يمكن أن تلغى أبدا .. لا يستطيع الأعزاء في تركيا التخلص من شيئ في النفس تجاه العرب من أبناء الدولة العثمانية والمفكرون في الصفحة واعون لذلك .. كما لم ينجح الأعزاء في مصر في مسح شيئ في الثقافة المصرية تجاه اقباط مصر .. ونفس الشيئ في المغرب والجزائر .. كل مجتمع له سخرياته وحكاياته وهي جزء منه حتى في الوحدات القبلية وحتى العائلية هناك توصيفات وسخريات بينية تصل لمستوى القدح ولا يمكن مسحها .. هذا مستحيل.
 

لم تستطع الورقة الخروج من ثنائية غير عادلة بالمرة .. وهي الدعوة لنيل المبعدين لكل عقاراتهم وحقوقهم وتعويضهم طبعا من الدولة ليس من بيت مال المسلمين .. لكن لم تتطرق الورقة لحقوق المسفرين من الجنوب للشمال بشكل عكسي.. إنه مسعى مشترك وقضية مترابطة من حيث هي ظلم عام والدولة معنية بتقديم عدالة في الموضوع بشكل عام .


  الورقة تقدم توجيها مهما وضروريا حول إحياء الآداب الإسلامية العامة من تكافل وأخوة .. هذا مهم لكن الأهم تقديمه في نماذج تقلد ويعاد إنتاجها ..وليس من السهولة عرضه من خلال أحزاب وتنظيمات تتعامل مع أفرادها وتتكامل وتتكافل مع المنتسبين لها .. يجب ان يكون الأمر عام ويجب ان يطبق هذا التوجيه كنموذج والا يصبح مجرد شعار .


أخيرا تبقى الأوراق الفكرية جهدا مهما في تقديم تصور للواقع ولمشاكله ولا ينبغي ان تكون مجرد فلسفات فوقية لا يمكن الوصول لجوهرها إما بحكم الواقع أو بحكم الإمكانات والظروف، وفي تقديمها يجب التمييز والتحديد هل سنكون أمام ورقة للإسترشاد الحزبي الحركي وهي بمثابة مرجعية توجيهية خاصة .. أم امام رؤية عامة مشتركة ينبغي أن نسعى ونكون معنيين اكثر من الآخر كجهة مصدرة بتنزيلها وتطبيقها .. دون ذلك نكون أمام حرج كبير نضع فيه انفسنا ونضع فيه المعنيين بطرحنا النظري والفكري .. شكرا للإخوة المفكرين في تواصل وقد أفادوا وأجادوا ولا نرجو من هذه الورقة إلا أن نكون ساهمنا في تعزيز النقاش حول الورقة الفكرية.

الأحدث