جدول المحتويات
بعد فراغ المفوض من اجتماعه، استقبل سعادة السفير ومرافقيه. استفتح السفير الموريتاني كلامه بشكر السلطات الغامبية على حسن الضيافة والتعاون مع السفارة الموريتانية وجاليتها، مستفسرا، في نفس الوقت، عن أمور ثلاث، وقعت أثناء متابعته للقضية، يظنها تحتاج لتوضيح:
1- دفن الفقيد قبل وصول أقاربه. مع أن رئيس الجالية كان قد اتصل، طالبا عدم دفن الفقيد قبل وصوله رفقة أقاربه.
2- الجثة التي تحملت النقل من ضفة إلى ضفة، ألم تتحمل انتظار ساعة أو ساعتين، حتى يصل أقارب الفقيد لمعاينتها.
3- الطريقة التي دفن بها. لم تكن طريقة لا ئقة أبدا، حيث دفن قريبا جدا من ستوى المياه مما يعرض القبر للجرف في موسم الأمطار.
بعد لقاء السفير بالجهات الأمنية، في مقر سرايا الأمن في مدينة باصي، انطلق، رفقة وفد من الجالية ومرافقيه، إلى مدينة سار انكي، حيث التقى بالجالية الموريتانية هناك، وسمع منهم وتكلم فيهم كلاما قريبا مما كلم به الجالية في باصي.
بعد لقاء حافل، أبلغ الجالية بما لديه من معلومات، وسمع منهم معلومات جديدة عن الحادث. عدل الوفد عن فكرة معاينة (مسرح الجريمة) فعادوا أدراجهم، قافلين إلى مدينة باصي، ومنها إلى ولاية (كومبو) حيث مباني السفارة الموريتانية، رفقة رئيس الجالية السابق: اتّاه ابن كاري، والسيد ابراهيم بن علي ابن أعمر.
عاد السفير، قالت الجالية. بدأت جذوة الحماس تخبو شيئا، فشيئا، وإن لم تنطفئ بعدُ كليةً. مع أن الجميع يتمنى من الله، أن يتحول الحماس الذي أتى صحبة سعادة السفير، إلى نشاط وضغط دبلماسي قوي، يحرك القضية في قنواتها السرية، وأروقة المكاتب.
ليست هذه المرة الأولى التي يقتل فيها موريتاني، هنا في غامبيا، ثم تسجل القضية ضد مجهول، أو تكيف على أنها انتحار، ليسدل عليها الستار للأبد. لذلك، تجد كل فرد في الجالية، هنا، يصر على أن تتواصل التحقيقات حتى يمسك الجاني، مهما كلفهم الثمن من مال ووقت، إذا كان هناك جان، وأن تتدخل سفارة بلاده بشكل جاد وفعال ومتواصل، حتى تستشعر الجالية أن الدماء الموريتانية ليست رخيصة لحد لا يقبض فيه على أي من الجناة الذين أجرموا، ولا زالوا يجرمون في حقها.
لذلك، نصر، الجالية وأنا، على نشر آخر المستجدات، وتزويد الرأي العام بها، من أجل ربطه وجدانيا بالقضية، حتى يتشكل رأي عام متابع، من شأنه أن يضغط على صناع القرار حماية لأرواح بنيه المغتربين.
اتصل بي مكتب رئيس الجالية الموريتانية في غامبيا، السيد: أحمد سيدي العالم، شيخ إفريقيا (سيناتور إفريقيا). حيث أطلعتهم بحكم المواكبة، كما أطلعهم غيري، على آخر المستجدات بشأن القضية. وقد علمت أن ولد العالم بدأ اتصالته من موريتانيا، حيث يوجد الآن، للتواصل مع السفير الموريتاني والجهات الأمنية المختصة.
ولابن العالم علاقات قوية وراسخة بالمسؤولين هنا في غامبيا، من أعلى هرم في السلطة إلى أصغر موظف في الدولة. وطدها بكثير من الوقت والمال قبل وبعد ترأسه لمكتب الجالية الموريتانية العام. وقد استغلها، دائما، وبسخاء، من أجل مصلحة الجالية. ولا يزال، رغم مشاغله ومسؤولياته الجديدة، يقدم للجالية، وبنفس الوتيرة، خدمات جليلة، تجعله محل ثقة غالبية الجالية لأكثر من عقد من الزمان. كان قبله مقعد رئيس الجالية شاغرا، تتدافعه الأيدي، ولسنتين، بسبب ضخامة مصاريفه وكثرة ما يأخذ من الوقت، حتى أصبح (المقعد) محط أنظار كثير من رجال الأعمال الشباب، المشرئبين له اليوم. وخصوصا، بعد أن أصبح أحمد بن سيدي يشغل مقعد شيخ إفريقيا في غرفة مجلس الشيوخ الموريتاني.
مكتب الجالية الموريتاني، هو مرفق عام، غير حكومي، تشكل، بصفته الحالية، في نهاية الثمانينات. وإن كانت الجالية، منذ حقبة الاستعمار، وهي تحظى بممثل يتكلم باسمها، ويمثلها في المحافل الرسمية، ويقوم بخدمة الجالية.
يغلب على المكتب طابع التمثيل القبلي، وإن كان لا يسد بابه أمام كل متحمس للعمل العام. فلكل من لقبائل الكبيرة، على مستوى الجالية، ممثل في المكتب، هي تختاره، يمثلها بشكل دائم، ولها تغييره متى شاءت. ويغلب على المكتب صفة التمويل، حيث يجتمع عادة لتنظيم جباية أو فرض أخرى.
يتبع للمكتب العام في بانجول، العاصمة، مكاتب محلية في المقاطعات ومدن الداخل التي توجد فيها جالية كبيرة. مع أن الغالب على الجالية الموريتانية هنا، الحماس للعمل العام، والمسابقة إليه. فقل أن يوجد تاجر كبير في منطقة، إلا وجدته يقوم، تطوعا، بعمل مكتب الجالية، وينفق عليه.
هذه المكاتب المحلية ترتبط بالمكتب الرئيس في بانجول، تعلمه بكل جديد، ويعلمها بقرارته، وترفع إليه مشاكلها التي عجزت عن حلها.
لا تطور في القضية اليومين الماضيين، وقد قدم علينا في باصي، قريبان للفقيد. كانا قد وصلا قبل الأمس الاثنين إلى بانجول، وقد استقبلهما رجل الأعمال، المهندس: الشيخ بّابّه ولد بوشيبه، وقد وضع تحت تصرفهما سيارة لتيسير حركتهما. لفتة من لفتاته الكريمة، أذكرها لأشجعها، وما أكثر لفتاته الكريمة، وما أكثر ما شهدنا، في هذه القضية وغيرها، من لفتات أبناء الجالية الكريمة. أذكر منها موقف تجار باصي النبيل مع الفقيد، فحين وصلوا لمحله، يوم العثور على الجثة، لم يجدوا في المحل قيمة المطالبات التي سجل الفقيد في دفتر ديونه، فقرر جميع الحاضرين إسقاط ديونهم، وأعلنوا استعدادهم دفع كل ديون الفقيد عند السكان المحليين.
وكان قد حضر أحدهم يطالب الفقيد بمبلغ قريب من 400$، أراد السيد: علي ولد ولد امّيْليدْ أن يدفعه، غير أن الحاضرين من الجالية طلبوا منه أن يتريث. فليس من الحكمة أن يقضى عن الفقيد غير دين كتبه هو على نفسه في دفاتره، وقد رتب الفقيد ديونه في دفتر جديد ترتيبا مستقصيا واضحا، أو دين يحمل صاحبه صكا.