تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

فآن لتك الحبال أن تقطع، وآن للكلكل أن يرتفع، وآن لنا أن نقول له:  ألا أيها الفساد المتأصل ألا انجلي بصبح، وكن يا صبح أمثلا.

 

لماذا لم نستطع، حتى اليوم، إصلاح هذا القطاع الحيوي والحساس؟

صحيح أنه تم تحقيق بعض الانجازات المهمة والقيمة. لكن الانجازات تختلف عن الإصلاحات، فالفرق بين الانجاز والإصلاح كالفرق بين إعطاء سمكة وتعليم صيدها.

 

والخطوة الثانية على طريق الإصلاح، بعد تعريف المشكلات (ح: 2)، هي البحث عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا الفساد وتحليل مقومات بقائه ومعرفة عوامل استمراريته.

 

ومن الصعوبة بمكان الإحاطة بجميع أسباب فساد القطاع، لتشعبه وتجذره وتعقيد ترابطه، إلا أنني سأحاول، عبر هذه السطور – ومن خلال الإجابة على سؤالين اثنين –  أن اكشف لكم عن أسبابه وعن رؤوس أهم خيوطه وعن المسؤولين عنه.

 

السؤال الأول: ما هي أسباب استمرارية مشاكل قطاع الصحة عندنا؟

 

تتعدد هذه الأسباب وتبرز في جميع مستويات ومفاصل القطاع:

 

أولا: على المستوي المركزي (الوزارة والحكومة)، تكمن الأسباب في:

–    غياب إستراتجية وخطط  واضحة، مبنية علي أسس ميدانية علمية. فمن دون رؤية واضحة، و مشاريع إصلاح جوهرية (reforme hospitalière)، ستذهب كل المشاريع المرتجلة هباء، كمن يبني بالرمل.

 

–    سوء تسيير ميزانية وزارة الصحة: والأمثلة على ذلك كثيرة ومتواترة، فتراها تشتري معدات، أقل ما يقال عنها أن هناك ما هو أولى منها بكثير وكثير، كشرائها مثلا لدراجات نارية (بحجة التحسيس في الأرياف، وهل استخدمت يوما؟) بينما ينقصنا في المستشفيات معدات وأجهزة ضرورية، تنقذ الأرواح يوميا.

 

وتراها  تنفق الكثير من الأموال على ملتقيات ومنتديات شكلية وفارغة؛ وتراها تتهافت  في نهاية العام من أجل شراء أدوات "مكتبية؟"؛ ولأنها لم تعد تستطيع السرقة العلنية فتقوم بإرجاع ما تبقي للخزينة، كفضيحة "إرجاع قطاع الصحة  لقرابة مليار من الأوقية " وكأن القطاع بخير لا ينقصه جهاز ولا دواء ولا تكوين.

 

–    منهج  الصحة السياسية بدل السياسة الصحية (الإستراتيجية)، فيفضل القائمون على القطاع "الكم على حساب الكيف" و" الرياء على الإخلاص"، يفضلون ما هو ظاهر كبناء مستشفي كبير بينما يهملون أسئلة جوهرية مثل:

·        لماذا بنوه أصلا (الحاجة السكانية حسب الخارطة الصحية)؟

·        ما هو دوره (صحة قاعدية، أو استشفائي، أو متخصص، أو جامعي)؟

·   ما هو مشروعه  كيف بنوه (المعايير)؟ من أين سيأتون بالكادر الذي سيشتغل فيه؟ وما هي درجة تكوينه؟ وما هي المعدات التي سيشتغل بها؟

·        ولماذا لم تصرف أموال بنائه أصلا في تجهيز مستشفيات قائمة قبله؟…؟

 

–    غياب التنسيق(coordination)  الفعال بين الوزارة و إدارات المستشفيات والطاقم الميداني، كل في فلك يسبحون، مما ينعكس علي التناقض بين المتطلبات الميدانية والاقتراحات المركزية؛ وهذه من أكبر العوائق فالطبيب الممارس الميداني، الذي يعرف المريض وما ينقصه من مستلزمات وفحوص ومعدات، كثيرا ما ترمى اقتراحاته الفردية والجماعية في دواليب إذا لم تلقى أرضا وتستبدل باقتراح غير مختص وغير ميداني.

 

–         غياب الإشراف(supervision) المباشر والفعال على القطاع.

 

–    عدم الجدية في متابعة الملفات الإستراتيجية كإعداد الخارطة الصحية (carte sanitaire) و القوانين الاستشفائية (lois  hospitalières) والبرنامج الوطني لتطوير الصحة (PNDS)..

 

–    إهمال التكوين المستمر للطواقم الطبية وشبه الطبية، فلا يخفي ما للتكوين المستمر من أهمية في صقل الخبرات واكتساب التقنيات. إلا أنه للأسف رغم المقترحات النائمة بين الرفوف، فإن التكوين المستمر يكاد يكون شبه معدوم ومن يذهب من الأطباء للملتقيات والتكوينات الخارجية إنما يذهب في أغلب الأحيان بمبادرات شخصية، أحسنهم حالا من يزوده المستشفي بـ15 أو 20% من المبلغ الذي سيصرفه في التكوين.

 

–         عدم إعطاء السلك الوطني للأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة صلاحيات تنفيذية.

 

–    هزالة رواتب عمال الصحة، التي تحد من تحفيز وتشجيع عمال القطاع، وتضطر كثيرا منهم للبحث عن تلبية حاجته المعيشية من القطاع الخاص.

 

ثانيا: علي مستوي إدارات المستشفيات:

 

هنا تنتج الاختلالات أساسا عن:

–         غياب مشروع مؤسسة ( projet d’établissement) حقيقي يضمن وضوح رؤية وأهداف المؤسسة.

 

–         عدم الاستعانة بمسيرين مختصين.

 

–    عدم القدرة على تحمل التكلفة الحقيقية للخدمات الصحية، فالتكلفة الحقيقية غالبا ما تكون أغلي بكثير من السعر "الاجتماعي". والسبب في عدم القدرة الدائمة على تحمل التكلفة الحقيقية هو هزالة الميزانية وعدم تحمل الوزارة للفرق ( subvention).

 

ثالثا: علي مستوي الأقسام الطبية:

 

والخلل في هذا المستوي تبع للذي قبله وهو بسبب:

–         عدم استقلالية تسيير الأقسام.

–         عدم تكوين رؤساء المصالح على تسيير الموارد.

–         عدم تطبيق مقررات متعلقة بتوصيف أدوار العمال.

–         ضعف تجهيز المصالح المختلفة.

–         شيوع نقص الخبرة والتكوين المستمر.

–         عدم الصرامة في التحكم في حضور وانتظام العمال.

–         ضعف نظام المعلومات والتوثيق والأرشفة والسكرتارية الطبية.

 

خامسا: عوامل أخرى:

 

وهي عوامل فرعية، إلا أنها تؤثر سلبا وتحد من فاعلية أداء القطاع، ونذكر منها:

–         غياب سياسة إعلامية وتحسيسية فعلية وعملية لدعم القطاع.

–    عقلية المواطن الموريتاني، فكما نتزاحم على الطرقات بسياراتنا، دون مراعاة  لأولوية البعض، نكرر نفس السيناريوهات والمشاهد في المستشفى، يحاول البعض جاهدا بشتى الوسائل (اتصالات وضغوطات) أن يتقدم على من هو أولى منه، دون تفهم لقلة الأطباء ونقص المعدات.

 

يوجه الكثيرون أنفسهم للأخصائيين دون مرور بالأطباء العامين ولا المستشفيات الفرعية وغير ذلك من المسلكيات المخلة بالنظم.

 

–    التكتلات: والتي هي عبارة عن تحزبات "لوبية" مكونة من مجموعات من الأشخاص (أطباء أو مدراء أو.. أو..) على أساس مصالح شخصية في قوالب "صداقية" أو عمرية أوجهوية أو تجارية. وتأثيرها السلبي يتمثل في كونها مصدر تفرق وتشرذم للمصادر البشرية مما ينعكس سلبا علي الانسجام والعطاء المشترك. 

 

السؤال الثاني: من هم المسؤولون الحقيقيون عن إفساد القطاع؟

1-  وزارة الصحة: وهنا أتكلم عن بعض "اللوبيات" المتحكمة في القرار فيها، والتي هي غالبا من خارج القطاع (مع بعض الاستثناءات)، أشخاص غير أكفاء، ولا يعرفون حقيقة القطاع، ولا واقعه، ولا ما يحتاج له، ولا يستشيرون أصحاب الخبرة المهمشين في الوزارة نفسها.

 

2-  بعض رجال الأعمال المستثمرين في الصيدلة، ومن أكبر الجرائم التي قاموا بها، تعطيل ونهش وإفراغ قانون  تنظيم قطاع الصيدلة من محتواه  (حاولوا ذلك من 2004 و في    2007 ونجحوا للأسف في 31 دجمبر 2009 (اليوم الذي لا ينسي)،  بعد أن مارسوا كثيرا من الضغوط على بعض البرلمانيين الذين رضخوا لهم للأسف الشديد.

 

واصلوا تماديهم بعد ذلك، ووصل بهم  نفوذهم لدرجة إقناع مسؤولين سامين بعدم أهمية الدكاترة الصيادلة، والذين يستحيل إصلاح قطاع الصيدلة دون إعطائهم المقود.

 

3-  بعض رجال الأعمال المستثمرين في المعدات والأجهزة، هؤلاء أيضا كأقرانهم  ساهموا في بعض الأحيان (خوف التعميم) في "إقناع" الوزارة بشراء معدات ليست من أحسن المعدات ودون الحاجة إليها أحيانا أخرى..

 

4-    بعض الأطباء الذين ساهموا من جهتين في إفساد القطاع:

– من جهة بسوء الممارسة من إهمال وأخطاء وجشع ونميمة وعرقلة للأطباء المتميزين.

–  ومن جهة أخرى شوهوا صورة الطبيب الموريتاني، فذهب بعض الناس وبعض الإعلاميين يتهجم على الأطباء مما أفقد الثقة وحال بين الطبيب الماهر والحالات الحرجة فاستحال البرء أو تأخر.

  

5-  – بعض السياسيين، من موالاة ومعارضة، فقد  تضرر هذا القطاع كثيرا من التجاذبات السياسية، فبعض الموالاة لا يقوم بدوره في النصح، وبدافع التزكية الكاملة (التصفاق) يدَّعى أن كل شيء على تمام، والمعدات كلها متوفرة، والمرضى  لا يشترون شيئا، وإذا كان هناك عيب فهو في الكادر الصحي. أما بعض المعارضة أيضا، فيفتقدون للموضوعية وبدافع التهجم على النظام القائم، يروجون للوحة سوداء، تقول إن قطاع الصحة خرب، و المستشفيات مقبرة إن لم يقولوا مجزرة وهذا من ما يزيد من فقد الثقة في القطاع، فيأتيك بعض المرضى من أصحاب الحالات الخفيفة لا لغرض العلاج، بل لتسهل له الذهاب إلى الخارج.

 

6-  الدولة والحكومات المتعاقبة والتي تتحمل المسؤولية الكبرى لعدم صرامتها وأخذها علي  أيدي المفسدين الحقيقيين من جهة، ومن جهة أخرى لسياساتها في التعيينات السياسية التي تضع الرجل غير المناسب في المكان المناسب.

 

هؤلاء المتسببون وتلك الأسباب دفعوا بالقطاع ليس للتردي فقط بل لممانعة الإصلاح. وأي إصلاح لا يعالجها ويقتلع جذورها، كما تصلح الأرض قبل الحراثة، وكما يفرغ الكأس قبل ملئه، لن يتم ولن يفي بالمطلوب.

 

فكيف يتسنى ذلك؟  

وماهي السبل الأنجع، والاقتراحات العملية من أجل إصلاح خلل وجبر كسر هذا القطاع؟

 

هذا ما سنحاول الإجابة عليه في الحلقة المقبلة إن شاء الله.

 

الأحدث