تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

إن المتتبع لمسار المريض، من ولوجه للمستشفي وحتى خروجه منه، يلحظ اختلالات عديدة، سأسلط الضوء على أبرزها:

 

أولا: لدى الاستقبال:

– عند دخول المستشفى، تتجسد فوضوية تنظيم الخدمة الطبية في أوضح صورها، فخدمة توجيه المرضي ومرافقيهم غير موجودة، ففي قسم الحالات المستعجلة يختلط الحابل بالنابل: المريض ذو الحالة الخطيرة بذوي الحالات البسيطة، والطبيب بالممرض والإداري، و"باعة الرصيد"، صياح وضوضاء لا يميَّز أولها من آخرها، في جو محتقن، العصبية فيه هي سيدة الموقف!  فلا يدري المريض إلي أين يذهب؟ وبمن يلوذ؟ فتراه يتعلق بكل من يلبس البزة البيضاء، ويستاء إذا لم يجد الإجابة الشافية. 

 

– بعد اتضاح معالم المشهد، تبرز قلة الكادر البشري (أطباء وممرضين) كأكبر عائق يحول دون حصول المرضى علي استشارة طبية. فإلى غاية 2010 لم يكن يتوفرلكل 10000 مواطن إلا  1.6 طبيب  و6 ممرضين 1.2 قابلات، وهذا ما يفسر الضغط الهائل على الأطباء، والشكاوي المتكررة من عدم استطاعة بعض المرضي الحصول علي استشارة طبية. في نفس الإطار تشكل أيضا ندرة بعض التخصصات، كتخصص أمراض الكلي (أخصائي واحد في المستشفي الوطني وأترك لكم تصور الضغط الذي يخضع له)، وأمراض المناعة والأمراض المعدية (الجرثومية) والتشريح المرضي والطب الشرعي… وغيرها  مشهدا آخر من مظاهر الاكتظاظ.

 

– في الحالات المستعجلة، قد ينزف ويموت المريض بين يدي الطبيب وهو ينتظر أن يأتيه مرافق المريض (إن كان له مرافق) بقفازات أو حقنة مستعجلة. في حين كان ينبغي أن توفر مثل هذه الحقن في المستشفى.

 

– تكاد الرعاية الاجتماعية تكون معدومة. فما عدى الشريحة المنتظمة (secteur formel) (موظفين وبعض العقدويين وبعض المؤسسات والشركات ) التي يغطيها نظام التامين الصحي والتي لا تتجاوز 30 في المائة من المواطنين لا يوجد نظام تامين اجتماعي للشريحة غير المنتظمة. فإذا حدث أن مريضا معدما، ولا يملك تأمينا صحيا، عرض له حادث أو حالة مستعجلة فالله له، قد يقضى دون أن يستفيد من استشارة أو فحوص أو علاج.

 

ثانيا: في مرحلة الفحوصات والتشخيص:

إذا حظي المريض بتجاوز المرحلة السابقة، واستفاد من استشارة صحية،  فغالبا ما يطلب منه الطبيب فحوصات مخبريه أو إشعاعية، وهي لا شك خطوة ومرحلة مهمة ينبني عليها التشخيص السليم للحالة المرضية.

 

– صحيح أن "اسكانير" وجهاز الرنين المغناطيسي موجود الآن، ويحلان كثيرا من عقد التشخيص، لكن وللأسف الشديد، لغاية 2014 لا توجد، في أكبر مراكزنا الاستشفائية، أجهزة فحوص المناعة (immunologie) ولا الطفيليات (parasitologie) ولا الفيروسات(virologie)، ولا يمكن قياس أغلب الهرمونات (dosage des hormones). بل أخطر من ذالك فإلى حد قريب لا يتوفر قسم الحالات المستعجلة في أكبر مستشفى على جهاز تخطيط قلب (ECG)، ولا على جهاز تصوير بالأمواج الصوتية (échographie).

 

إن انعدام هذه الفحوصات وضعف صيانة ما يتوفر منها،  يفسر كثيرا من حالات الأخطاء الطبية في مجال التشخيص وعدم القدرة علي تشخيص بعض الحالات المرضية.

 

ثالثا: مرحلة العلاج:

بعد تشخيص المرض تأتي مرحلة العلاج، والعلاج يتم – بإذن الله – إما بالأدوية، أو بالجراحة، أو الاثنين معا.  وقطاعنا يعاني في الشقين:

 

– "نتميز" للأسف الشديد بكثرة الأدوية المزورة وغير الفعالة. فرغم جهود مركزية شراء الأدوية والتجهيزات والمستهلكات الطبية الموريتانية "كاميك" ومحاولتها توفير الأدوية الحساسة (المضادات الحيوية والإنسلين وبعض الأدوية العصبية) ورغم إنشاء المختبر الوطني لمراقبة جودة الأدوية، فإن بيع الأدوية غير الفعالة لا يزال مستشريا ويشكل عائقا أمام شفاء كثير من مرضانا، بل و خطرا في أحيان كثيرة. فمن المتواتر عليه اليوم أن كثيرا من المرضي يسافر للعلاج في الخارج، ويتم علاجه بنفس الوصفة (مع فارق الجودة).

 

– أغلب المعدات الجراحية المتوفرة في المستشفى قديمة وناقصة ومتهالكة ولا توجد مناظير جراحية في أغلب الأقسام الجراحية.

 

– وأنبه هنا، من باب الأمانة العلمية، أننا بدأنا نلحظ منذ بضعة أشهر، بعض التجاوب مع طلبات المعدات  الجراحية، خصوص بعد قرار تكليف "كامك" بتوفير المعدات الذي اختزل كثيرا من الإجراءات البيروقراطية التي كانت تعيق أو تبطئ كثيرا من توفير هذه المعدات. 

  

رابعا: مرحلة الحجز:

لا يخفي ما للحجز من أهمية في علاج كثير من الحالات التي يحتاج علا جها للحقن والمراقبة والرعاية عن قرب. إلا أنه لا تزال عندنا كثير من النواقص في هذا الصدد يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

– غرف متهالكة لا تتماشي مع النظم والمعايير.

– أسرة (جمع سرير) قليلة، بنظافة غير منتظمة (خارج أوقات الزيارات الرسمية).

– خدمة صحية غير منتظمة وبمعايير متعددة.

 

خامسا: العلاقة بين المستشفيات وعدم فاعلية نظام الهرم الصحي:

أكثر من 60 في المائة من الحالات يمكن علاجها في المراكز الصحية والمستوصفات الفرعية (إذا تم تفعيلها وتجهيزها)، لكن بدل ذلك تشكل هذه الحالات ضغطا واحتقانا كبيرا على المستشفيات العمومية على حساب الحالات المستعجلة والحرجة.

 

الأخطاء الطبية:

وهي أخطاء قد تقع في التشخيص أو في العلاج. ورغم أنها مسألة عالمية، إلا أن مما قد يفسر"كثرتها عندنا إن ثبتت" (لم أقف علي إحصائية) هو إرهاق الكادر الصحي، وكثرة الضغط الكمي للمرضى، والنقص في التكوين المستمر، وعدم الصيانة الفعالة لأجهزة الفحوصات… وأخيرا انعدام التحقيق والعقوبة الرادعة.

 

الممارسة الخاصة:

بدل أن يسهم القطاع الخاص في مراوحة وتكملة القطاع العمومى، كما كان يفترض، فإنه أصبح مصدر اضطراب وتشويش علي القطاع العمومي. وهذا يظهر في:

 

– عدم تقنين الممارسة الخاصة، كاستشارة أعداد هائلة على حساب الوقت اللازم والضروري لاستشارة فعالة.

 

– عدم التزامها بمعايير الجودة، فعدى جانب الفندقة فإن حال كثير من العيادات يشبه حال المستشفيات العمومية ومسيروها تجار يريدون الربح بأقل تكلفة.

 

السفر للخارج من أجل العلاج:

السفر من أجل العلاج يعكس عدم اقتناع كثير من المواطنين بالخدمة الصحية سواء تعلق الأمر بالكادر الطبي أو بالمعدات أو بالأدوية. ومما يدعوا فيه للحسرة ثلاثة أمور:

 

– الأول: أنه يكتب لهم في كثير من الأحيان نفس الدواء.

– الثاني: أنهم أصبحوا كثيرا ما يقعون في شراك سماسرة لوبيات من مصاصي الدماء والأموال.

– الثالث: التعرض للسخرية واحتقار بلدنا (كوصف خطوطنا الجوية بـ"ambulance").

 

إن هذه المشاكل وغيرها ليست إلا نتيجة حتمية لتراكمات من الأخطاء الاستراتيجية وسوء التسيير والإدارة وضعف التنسيق وأمور أخرى سنتطرق لها في الحلقة المقبلة إن شاء الله.

 

الأحدث