تخطى الى المحتوى

أيــــــــن الحزب الحــــــــــــاكم ؟

جدول المحتويات

 

والحزب الحاكم هو أيضا الذي يعتبر الوجه الآخر للسلطة الحاكمة وعينها الخفية التي تراقب الأحداث الميدانية على أدى المستويات ويدها التي تبطش بها عند الضرورة وسلاحها العلني الذي يتصدى لهجمات الخصوم السياسيين ولكل من تسول له نفسه المساس بسيادة البلد وأمنه أو بمصالح أهله داخليا كان أم خارجيا.

 

وهذا الحزب الحاكم هو الذي أراه من ناحية أخرى أهم مزود للرئيس والحكومة بالمعلومات والمقترحات الضرورية لتحديد التوجهات الكبرى ولبناء السياسات الوطنية بوصفه حاضن النخبة والقوة الفاعلة في المجتمع ومسرح التفاعلات لمختلف الحساسيات والممارسات السياسية لمناضلي الحزب ومناصريه على المستوى الوطني.

 

وانطلاقا من هذا التعريف الذي لا يرقى للأكاديمية فلا غرابة في أن أتساءل ويتساءل مثلي ممن يراقبون الساحة ويشغلهم حاضر البلد ومستقبله عن أين هذا الحزب الحاكم أي حزب الاتحاد من أجل الجمهورية وذلك بالنظر للدور الذي ينتظر منه الجميع لعبه منذ انتهاء الانتخابات الرئاسية التي جرت في 23 يونيو الماضي.

 

نعم إنني مثل شريحة عريضة من الشعب تراقب الساحة السياسية انتظرت أن يعد هذا الحزب ما استطاع من قوة تتعلق بوضوح الرؤية المستقبلية وسلامة النهج وشمولية البرامج علما بأن كسب رهان 2019 بمن سيخلف عزيز آنذاك يجب أن يبدأ التحضير له من اليوم دون غد.

 

وحول موضوع أين الحزب الحاكم أقول صراحة إنني تمنيت لو رأيته بعيد تنصيب مرشحه رئيسا للجمهورية بادر إلى اعتماد البرنامج الانتخابي الذي قدمه فخامته في انتخابات يونيو 2014 ونال به ثقة الشعب ليجعل منه المرجعية الأولى للعمل في جميع المجالات (السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية).  

 

وفي هذه الحالة كان على القائمين على الحزب وضع خطة واضحة المعالم تتضمن دراسة معمقة لذلك البرنامج من قبل فريق متعدد الاختصاصات ينتج عنها توزيع محتوياته بين محاور أساسية وتحديد المجالات التي يجب إدراجها ضمن كل محور ثم إعداد تقرير مفصل للمحور يركز على التزامات رئيس الجمهورية وسبل تحقيها خلال المأمورية الحالية.

 

وفي نهاية مرحلة إعداد التقارير المتعلقة بجميع المحاور المعتمدة تبدأ مرحلة ثانية تشمل تنظيم ورشات تكوينية تقدم خلالها مختلف محاور البرنامج الانتخابي، والهدف هو التعريف بكافة جوانبه في صيغتها الجديدة وبطريقة وعبارات وأسلوب تسهل كلها فهم البرنامج والتعامل معه لا سيما بالنسبة للطبقات غير المتعلمة حتى يتسنى للجميع المساهمة الفعالة في تطبيقه وإشاعته ونشره بين الناس والدفاع عنه والتصدي لحملات الخصوم السياسيين في المعارضة والمشككين من المستقلين والمنافقين المندسين في هيئات الحزب ودوائر الدولة بحجة دعم الرئيس ونظامه. ولتعميم الفائدة وتجنيد أكبر عدد ممكن من الفاعلين والدعاة السياسيين المسلحين بقوة الحجة يجب نقل تجربة الورشات إلى عواصم الولايات والمقاطعات في الداخل قبيل حملات تجديد الهياكل القاعدية للحزب أو بالتزامن معها.

 

وفي هذه المرحلة أيضا يجب جمع التقارير المعدة حول كل المحاور وإسنادها إلى فريق آخر أو لجنة نواتها القوية أصحاب تجربة في الممارسة السياسية وخبرة في وضع السياسات والإستراتيجيات. أما مهمة هذه الهيئة فتكمن في استخلاص توجهات إستراتيجية كبرى وترجمتها في خطة عمل شاملة تتولى الرئاسة والحكومة تنفيذ بعضها عبر إعلان السياسة العامة للحكومة والاستراتيجيات القطاعية، كما يتولى الاتحاد من أجل الجمهورية تنفيذ البعض الآخر من تلك الخطة وذلك بالتنسيق والتشاور المستمر مع السلطات العليا في الدولة وبإشراك مختلف هيئات الحزب.

 

ورغم قولهم أرسل اللبيب ولا توصيه فإنني اقترح على هذه الهيئة المنتظرة اعتبار خطاب تنصيب الرئيس محمد ولد عبد العزيز شرحا وتفصيلا لكليات واردة في برنامجه الانتخابي أو مناسبة لإبراز أولويات تضمنها البرنامج المذكور، ولا يمكن بأي حال من الأحوال لخطاب التنصيب أن يصبح بديلا عن برنامج الرئيس ومرجعا لعمل الحكومة أو الحزب كما من المعلوم أن خطابات الرئيس بمناسبات أخري داخليا (الأعياد الدينية والوطنية) وخارجيا (المحافل الدولية) ومؤتمراته الصحفية العديدة قد لا تخرج عموما عن نفس النطاق والمنطق اللهم إذا جاء ما يرد فيها لمعالجة ظرف طارئ أو لتوضيح موقف من حدث جديد أو وضعية متجددة. وهذا لا يعني إطلاقا أن هذه العناصر مجتمعة لا تستحق أن تكون مراجع ثانوية ومصدر إلهام سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لأي عمل تقوم به الحكومة والحزب.

 

وغير بعيد عن موضوعنا المتعلق بالبحث عن وضع الحزب الحاكم في الساحة الوطنية أو ما هو المطلوب منه أرجو في الأخير ممن سيدلون بدلوهم في إعداد تلك الخطة من داخل الحزب كانوا أو من دوائر النظام الحاكم أن لا يغيب عن أذهانهم شبه الحقائق التالية:

 

ü    فوز محمد ولد عبد العزيز في انتخابات 2009 كان بفضل السياسة التي انتهجها سيادته منذ وصوله إلى سدة الحكم 2008 والتي ما يزال البعض يصفها بالشعبوية: الزيارات الميدانية حيث التقى بالضعفاء ممن كانوا في السابق خارج دائرة اهتمام الدولة وإعطاء عناية خاصة للفئات الأكثر هشاشة؛ وهو نهج قاد ولد عبد العزيز إلى القضاء على الوسطاء الذين كانوا يتاجرون بولاء الشعب ويمتصون دماءه حيث تعامل مباشرة في السياسة مع المواطنين بمختلف أصنافهم وعلى اختلاف انتماءاتهم العرقية والسياسية وظروفهم الاقتصادية وتباين أماكن تواجدهم على امتداد التراب الوطني؛ تلكم حقيقة كره الكثيرون سماعها آنذاك وبعد استحقاقات 2014 الماضية؛
 

ü    هذا النهج السياسي الجديد الذي انفرد به محمد ولد عبد العزيز من بين من سبقوه عززه سيادته في مأموريته الأولى بإنجازات كثيرة ملموسة استفادت منها أو من انعكاساتها الطبقات المحرومة سابقا والفقيرة، إنجازات استحق على إثرها ممن لقبوه رئيس الفقراء مكافأة تمثلت في إعادة انتخابه 2014 لولاية ثانية بنتائج فاقت توقعات مناصريه قبل منافسيه وخصومه في الداخل والخارج.
 

ü    عدم محاولة الرئيس محمد ولد عبد العزيز تغيير الدستور والترشح لمأمورية ثالثة ورابعة لا يعني أن الصراع القادم على كرسي الرئاسة في 2019 لا يعنيه أو لا يدخل في أولويات انشغالاته ولو لم يعلنها صراحة ؛ الرجل يعطي الانطباع بأنه مهتم فقط بتقديمه لموريتانيا ما استطاع من إنجازات لغاية انقضاء مأموريته الحالية وبأنه ينوي خدمتها مستقبلا بدعمها والدفاع عنها عالميا عبر مسؤوليات دولية محتملة لاحقة أهلته لها تجربته في الحكم على رأس هرم السلطة ورئاسته للاتحاد الإفريقي والهيئات المنبثقة عنه ثم مساهماته في حل النزاعات الإقليمية ذات الطابع الدولي؛ وصاحب هذا الاهتمام بموريتانيا وأهلها كله استعداد لتقبل وقبول أي عرض يتقدم به الشعب مستقبلا أو المجموعة الدولية بخصوص ترشحه ومتابعة عطاءاته على المستويين الوطني والعالمي؛  
 

ü    كسب رهان انتخابات 2019 يبدأ بتحسين طريقة التعامل مع الأحداث على المستوى الوطني وبالإنجازات الملموسة والتعامل المرن مع القوة الخارجية المؤثرة تقليديا وحديثا في المنطقة، إنها أفضل وسيلة للمصالحة الوطنية والاستقرار ولإيصال الخليفة المنتظر إلى سدة الحكم 2019؛
 

ü    تحضير هذا الخليفة وتلميعه أمر تجب معالجته ضمن باب غير معلن من خطة العمل المذكورة أعلاه، أمر تكمن صعوبته في خيار الحضور السياسي في الساحة من الآن فصاعدا لذلك الجندي المجهول أو إبعاده عن الأنظار حتى نهاية 2017 ليتسلم منصبا يمكنه من الاطلاع على خفايا شؤون الدولة وخصوصيات المجتمع ومناسبة تتعرف عليه العامة حتى تسهل عليهم عملية اختيار بطاقة التصويت التي ستميزه في اليوم الموعود (يوم الاقتراع) عن بقية منافسيه؛
 

ü    الاختفاء السياسي المحتمل لأحمد ولد داداه في انتخابات 2019 سيسقط ورقة اللعب على العداء بين الشرق والقبله التي أكل الدهر وشرب على استخدامها وهو ما سيجعل الصراع المقبل ينحصر بين أهل الشرق وأهل الشمال؛
 

ü    أهل الشرق يعملون هذه المرة على الوصول إلى الرئاسة بعيدا عن استخدام السلاح كما عرفهم الموريتانيون في السابق، وهناك عوامل كثيرة جديدة قد تساعدهم في مسعاهم كما هناك أيضا عوامل أكثر لإفشال مخططاتهم؛
 

ü    المد الإسلامي في تراجع ولو ظرفيا وأحزابه مهددة بالانشطار والظهور في أشكال جديدة متنوعة إذ فرضت عليهم الظروف العالمية تغيير النهج وإتباع سياسة الحرباء؛
 

ü    الساحة الوطنية متغيرة دائما وتتأثر جدا بما يحصل في المنطقة وفي العالم بأسره مما يجعل متابعتها والتعامل الإيجابي معها سيبقيان على رأس الحكمة؛
 

ü    العاقبة في السياسة للإنجازات التي يحس المواطن البسيط أثرها على حياته أو لصاحب الخطاب المتطرف الكاشف لعورات السلطة ولو زورا وافتراء؛
 

ü    ـ البراغماتية يجب أن تكون أساس التعامل مع الغرب وهيئاته مما يفرض إبقاء المبادئ والطموحات ضمن الهامش الذي يضمن إبعاد الخطر وتحقيق ما أمكن لصالح الشعوب المحلية، وعليه فإن شعار الدول الضعيفة يجب أن يصبح الحذر أم السلامة أو أم الحكمة؛
 

ü    من تجليات العولمة عدم الفصل في العلاقات الدولية بين السياسة وحقوق الإنسان والاقتصاد ثم خضوع هامش التحرك والحرية بالنسبة للدول لعامل القدرة العسكرية قبل الاقتصادية.
 

وأخيرا أقول: يا أيها السياسيون في الجمهورية الإسلامية الموريتانية عموما وفي الاتحاد من أجل الجمهورية خاصة قوا أنفسكم وأهليكم نار الفتنة التي خطط لها العدو عبر رفع شعار الفوضى الخلاقة وأطلق شرارتها التونسي محمد بوعزيزي واستمرت حتى الآن جهات عديدة تغذيها بحطب التطرف الديني والعرقي وبتغليب المصالح الآنية والأنانية.
 

اللهم أحفظ بلدنا وبلاد المسلمين مما يخبئه المستقبل لسكان الأرض. آمين. 

الأحدث